الإمداد الذكي للإرهاب | صحيفة المناطق الإلكترونية
الاثنين, 3 صفر 1439 هجريا, الموافق 23 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

الإمداد الذكي للإرهاب

الإمداد الذكي للإرهاب
د.أحمد بن سعد آل مفرح*

كيف وصل الحال ببعض شبابنا الذين لم يتلقوا علماً شرعياً ولم يحصلوا على شهادة جامعية و لم يسافروا خارج المملكة أن يكفروا أهليهم ومجتمعهم ثم يستبيحون دمائهم.!؟
فمنهم من قتل والده، وغدر بشقيقه، ونحر خاله، و فجر نفسه، في مسجد أو مجمع أمني أو في مرفق اقتصادي أو تنموي في الوطن، بذريعة أن كل هؤلاء المواطنين كفار تستباح دماؤهم!.

لقد اُستهدف الدين، وقُتل الآباء، وفُجعت الأمهات، وترمّلت الزوجات، وتيتّم الأطفال، وأُهلك الحرث، وُنزفت الدماء، و أُزهقت الأنفس، وروّع الآمنون، ونُسفت المقدرات والمكتسبات الوطنية، وغُدر بالوطن، لا يُصدق إن مسلماً تربى على عقيدة التوحيد السوية والدين الوسطي المعتدل يتسبب في كل هذا الدمار، لقد طغوا وعاثوا وتجاوزوا كل حد باستهداف المصلين الآمنين في بيوت الله التي ربط سبحانه وتعالى عمارتها بالإيمان به، وهذا دليل على تهورهم و خيبتهم وخسران مخططاتهم ونجاح رجال الأمن في التضييق عليهم ودحرهم، فلم يجدوا أمامهم إلا بيوت الله.

إن التكفير هو من أعلى درجات الانحراف الفكري لدى تلك الفئة المارقة، فمتى ما وصل أحدهم إلى هذه الدرجة من الانحراف، سهُل توجيهه نحو الإضرار بنفسه وبمن حوله أولاً، ثم يأتي الضرر الحسّي كالتخريب والتفجير والدمار في الوطن ثانياً، سعياً لخلخلة الأمن والاستقرار ومحاولة لنقض عرى نسيج المجتمع المتآلف والمتماسك، غير أن الواقع لم يأتِ بما يشتهيه ربان سفنهم، فيلْحظ المراقبون إنه مع كل تفجير وتخريب يزداد مجتمعنا – بفضل الله – معرفة و وعياً بغايات تلك الفئة المارقة وبأهدافهم الدنيئة، ويزداد تمسكه بعقيدته و تلاحم جسده الواحد والتفافه حول قيادته وحكومته، فأصبحت الدماء الزكية المغدورة بمثابة طاقة استثنائية يتم ضخها في شرايين اللحمة الوطنية، لا مشارط قطع لها كما أراد لها المخربون.

إن لكل حرب أدواته وأوعيته لتحقيق غاياته وأهدافه، فمع التغيير التقني الكبير الذي يشهده العالم اليوم، والتسارع المعرفي والاكتشافات العلمية الحديثة، أثر كل ذلك على مجريات الحروب وأدواتها، فعندما كانت الحروب فيما سبق تتركز على القوة العددية والتجهيزات الآلية، بما يعرف بالقوة التقليدية أو القوة الصلبة ، حدث بعد ذلك التحول للقوة الناعمة والتي تشتمل على الابتزازات السياسية والحظر الاقتصادي والغزو الإعلامي التقليدي وغيرها، وصولاً إلى ما انتشر اليوم ويعرف بالحروب الذكية التي يستخدم فيها التقنية بشكل واسع مثل الطائرات بدون طيار و الأسلحة الموجهة بالليزر وأوعية الإعلام الذكي بكافة أشكالها الحديثة ومنها أوعية التواصل الاجتماعي.

لقد حققت أوعية التواصل الاجتماعي الكثير من الخدمات في الحروب الحديثة ومنها تجنيد الأعضاء و تدريبهم و التخطيط للهجمات و تنفيذ العمليات العسكرية ومتابعة النتائج وشن الحروب النفسية على الأعداء، ومع أن قنوات التواصل الاجتماعي أدوات مهمة في عصرنا الحالي لدورها الإيجابي في التعليم وانتشار المعرفة والتواصل بين الشعوب والأفراد، فإن لها مخاطر جسيمة إذا ما استخدمت سلبياً كاستخدامها في عمليات الإرهاب ضد الأوطان وزرع الفتن والشرور بين الناس وزعزعت الثوابت والمعتقدات ونسف القيم والمبادئ والخروج على ولاة الأمر والعلماء، خصوصاً إذا ما امتلكها صغار السن وأساؤوا توظيفها، لقلة خبرتهم وضعف تجاربهم علاوة على تحمسهم واندفاعهم وحبهم للمغامرة، فيكون أحدهم طعماً سائغاً للتجنيد لمحاضن التطرف والإرهاب وينطلق بعدئذ لكهوف التكفير ومن ثم لتفجير نفسه والاعتداء على الدماء المعصومة.

إنه والحال كذلك، وكما نقف ضد استخدام التقنية فيما يتعلق ببعض السلوكيات الشاذة والمواقع المغرضة ويتم حجب ما يمكن حجبه منها ، فإن حماية الأمن الوطني أهم ويتطلب منا أن نقف ضد بعض أوعية التواصل الاجتماعي بحزم ونقطع الإمداد التقني أو الذكي للإرهاب كما قطعنا عنه إمداد المال والعتاد والسلاح، لأننا بذلك نضمن عدم تجنيد الشباب لأجندة الشر ومعاول الهدم، ونضمن كذلك عدم تواصلهم للتخطيط والتدريب لاستهداف الوطن ومقدراته.

أعلم أن حرية التعبير عن الرأي كفلها النظام الأساسي للحكم في المملكة، و قد يتعارض أي توجه لتعليق أو إغلاق – ولو مؤقتاً- بعض أوعية التواصل الاجتماعي مع تلك الحرية، غير أن المملكة اليوم وهي تواجه وتقود باقتدار حرباً شرسة ضد الإرهاب وضد منابعه، وهي كذلك تواجه عدواً صفوياً طائفياً يسعى للتمدد الإقليمي ويجند كل ساذج وغِرٌّ وصاحب هوى، فيحتم علينا أن نسد كل نافذة يتسلل منها العدو لصفوفنا الخلفية ويجعل من شبابنا وقوداً لحرب لا تبقي ولا تذر..
غفر الله لشهداء الواجب وأخلفهم في أهليهم بخير وكفانا شر كل متربص بمقدساتنا وأمننا ووطننا… ولله الامر من قبل ومن بعد.

*عضو مجلس الشورى

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة