نعم للعدالة.. لا للعنصرية | صحيفة المناطق الإلكترونية
الجمعة, 27 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 15 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

نعم للعدالة.. لا للعنصرية

نعم للعدالة.. لا للعنصرية
د. عبدالله علي الميموني

المحافظة على حقوق الأخوة الإسلامية واللحمة الاجتماعية والوطنية واجب شرعي وأخلاقي وهو من مستحقات حقوق الأوطان على العقلاء من بني الإنسان ، والشارع الحكيم عظم حقوق الأخوة الإسلامية وراعى حقوق الجيرة بين الجميع حتى بين غير المسلمين قال تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولذي القربى… إلى قوله: والجار ذي القربى والجار الجنب) أي الجار البعيد سواء في نسبه أو في داره أو لكونه من غير المسلمين كالجار الذمي اليهودي والنصراني وغيرهما، والمحافظة على الألفة بين المسلمين من أهم وآكد أسس الدين، وقد شدد الشرع على سدّ كل باب يمكن أن يفضي إلى هدم بنيان تلك الأخوة أو ثلم جدارنها وتعطيل بعض مصالحها، ومن الثقافات التي تسعى الأمم والشعوب المتحضرة لنشرها وتدعيمها لما فيها من تحقيق المصالح والحفاظ على الحقوق ثقافة الاحترام المتبادل والحقوق المشتركة والنظام الذي يشمل الجميع ولا يستثنى منه أحد ، والشرع الكريم ينهى عما يثير النعرات والعصبيات القديمة ويؤجج نار الفتن في المجتمعات ، والنهوض بالشعوب والأمم لا يتمّ إلا بالاجتماع على مبادئ وقوانين وتحقيق قدر كاف من التوافق عليها يضمن تحقيق العدالة وحصول الأمن والسلم الداخلي وعبر التاريخ وجد أن من أعظم ما يضعف الأمم ويوقف عجلة تقدمها هو إثارة العصبيات القبلية والمناطقية وغيرها، وقد عانت الأمة في تاريخها من هذا أشد المعاناة وقديما حين ثارت العنصرية بين القيسية واليمانية وتهاجى الشعراء واتقدت الفتنة انقسمت العرب وكثر القتل والقتال هذا في الصدر الأول ، ولم تزل العصبيات تشتعل حتى جندل أبطال العرب وفرسانها في خراسان وغيرها في حروب بين قبائل مضر نفسها بعد أن كانت بين مضر وربيعة وقبل ذلك بين اليمانية والقيسية وقد كانت شعاراتها عنصرية قبلية لا مذهبية في أمور يطول تعدادها وشرحها واتصلت الفتن بالمغرب والأندلس ووقعت الأمة في مهواة مهولة عظيمة لم ينجع فيها دواء فمتى اشتدت العصبيات القبلية والمناطقية والفئوية في أمة أنذر ذلك باستدراجها إلى مستنقعات موبوئة ومزلات أقدام مهلكة ولا يمكن للأمة ولا لبلادنا حفظها الله أن تتراجع للوراء ولا أن تحيي ما يسيئ لمسيرتها نحو الازدهار والتقدم العلمي، ومن هذا الباب فالمناصحة توجب علينا وعلى الجميع أن نتعاون وأن نكون يدا واحدة أمام التحديات الجسام التي تحيط ببلدنا وأمتنا، وهذه وقفات من باب حقوق الأخوة ومن باب التعاون على البر، وهي رسالة لإخواننا الذين قد يتوسعون في الكلام على موضوع السعي في التفريق بين المرأة التي قد تتزوج من بعض القبائل أو الأسر:
1 – حذار من التدرج للوقوع في ذم أو تنقص إخواننا المسلمين سواء من القبائل العربية العريقة أو البيوتات الكبيرة أو الأسر المعروفة أو غيرهم من إخواننا في الدين وشركائنا في حقوق الوطن ففي ذلك مخاطر شرعية واجتماعية منها فتح باب الطعن في الأنساب والتنابز بالألقاب والتعرض للأحساب بما لا تحمد عقباه ولا يجوز شرعا ولا توجد فيه مصلحة، ففي التوسع في ذلك مخاطر متنوعة فمن المخاطر الشرعية والاجتماعية الوقوع في استعداء قبائل أو بيوتات كبيرة لها شأنها ومكانتها ولها تواجد في السعودية وربما في غيرها من البلدان العربية ،وذلك مما يسهم في إيقاع النفرة والشحناء بين المسلمين ويؤدي لتفريق كلمتهم ونقض بعض عرى الأخوة الإيمانية.
2- الكفاءة في الدين هي الأصل ثم قد ينظر للنسب وكرمه والمحتد ومنزلته لكن مع الحرص على مراعاة حقوق الجيرة و المواطنة فالأصل المحقق أن الشرع ثم النظام يساوي بين الجميع، واما الكفاءة في النسب ففيها الاختلاف المعروف بين الفقهاء وأكثرهم يرى انها لا تؤثر في فسخ العقود ما دامت قد تكاملت الشروط من الرضا والقبول والشهود والولي، ومن يرون أن مراعاة النسب غير معتبر وأن المعتبر هو سلامة الدين معهم عمومات القرآن والسنة وقولهم أرجح الأقوال دليلا ، وللقول الآخر استدلالات وتعليلات تدور حول مراعاة مصلحة وإهمال أخرى وتلك اجتهادات. ولكن عادات القبائل والأسر العربية لها تأثيرها ولها اعتباراتها ولها ثقلها المعتبر ولو عند بعض الناس ، ولذلك فيقال لمن لا يرى تزويج قبيلة معينة أو أسر معينة ويصرّ على رأيه مراعاة لمصالح يراها أو دفعا لمفسدة يعتقدها إن له اجتهاده وعادته التي ورثها عن أسلافه ولكن يبقى أن على الجميع أن يعلموا أن ذلك يجب أن يكون بلا تحقير للآخرين او تنقص أو استعداء لبعض القبائل والأسر لأن ذلك قد يفتح باب شر على المسلمين ( ولا تنابزوا بالألقاب).
3- الذين يختارون عدم التزويج اتباعا لعادة ورثوها أو أخذا بمذهب اختاروه عليهم أن يتلطفوا في العبارة وأن لايظهروا من الأفعال ولا الأقوال ما يشعر بأي تحقير أو تجاوز أو اعتداء على إخوانهم ممن لا يرغبون في مناسبتهم وتزويجهم، وليعلموا أن منهم من ينتسبون لقبائل أو أسر معروفة بأخلاقها وبشجاعتها وبكرمها ولا تدفع عن سنة ودين في الجملة، فإذا حصل هذا الرفض فليكن بعبارات حكيمة عادلة ولطيفة مهذبة كمثل ان يقولوا انا قد توارثنا هذا ونخشى من استغلال بعض الناس لهذا الزواج في ذمنا أمام القبائل والبيوتات الأخرى ولا حيلة لنا في دفع شيء تعارفت عليه بعض القبائل والأسر واعتادته، ولا داعي لأن ينسبوا عرفا تعارفوه أو عادة توارثها بعضهم للشرع الصحيح.
4- ليعلم المسلم الصادق ان الإنسان اذا ترك مذهبا باطلا أو عملا مذموما أنه لايجوز لأحد أن يؤنبه على ذنب تركه ومذهب انتقل عنه فكيف بفعل كان عليه آباؤه وهو لا يعمل به فإذا قال أنا أتبرأ منه ولا اعمل به قبل قوله ولا يقال إن أباك ظلم فأنت ظالم أو سرق الحجيج فأنت مذموم بذلك شئت أم أبيت? وهكذا في كل عمل ( ولا تزر وازرة وزر أخرى).
5- ما يذكر في بعض القروبات وتويتر وغيرهما من رسائل صوتية او كتابية بأسلوب في تهييج للخصومات وإثارة للنعرات خطأ في الدين وجهل بمصالح الدنيا والواقع، ولذا فينبغي لمن قال كلاما فيه عنصرية تشتمل على ذم أو تحقير او فتنة أن يتوب منه وأن يطلب عدم نشره وتداوله لئلا يكون ممن يوطأ للفتن ويمهد للباطل ويهيج الخصومات بين المسلمين. وليتق الله المسلم وليدع إثارة نعرات تفسد الأخوة الإيمانية وتوقظ البغضاء وتنبت الشحناء .
6 – الكرم الحقيقي الباقي هو في التقوى ثم الاخلاق الزاكية والأعمال الطيبة وما عدا ذلك فشرف يزول ومنزلة تنقص ما لم تزينها التقوى وتحميها حسن الأفعال: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

*جامعة طيبة وإمام وخطيب جامع الخندق بالسبع مساجد

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    عبدالرحمن

    جزاك الله خير كلمة حق