وداعاً .. وأهلاً | صحيفة المناطق الإلكترونية
الاثنين, 3 صفر 1439 هجريا, الموافق 23 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

وداعاً .. وأهلاً

وداعاً .. وأهلاً
فهد الدغيثر

امتلأت أمسيّة الخميس الماضي بالتوجس والقلق من اللحظة التي تسربت فيها الأخبار عن حال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الصحية. كنت في دعوة مع بعض الأصدقاء، وفجأة تعطلت كل المواضيع الأخرى، وأصبح كل فرد منا يبحلق في شاشة هاتفه المحمول ينتظر رسالة جديدة لعلها تزيل التوتر، لكن الأخبار السيئة تتواتر وتزداد، وكل حرف من رسالة يضيف إلى العين دمعة. بكيته وبكته عائلتي الصغيرة – يرحمه الله – قبل إعلان وفاته، ودعوت الله أن يعفو عنا وعنه وأن ينزله مساكن الصالحين.

قصتنا مع هذا الإنسان قصة حب لا يشوبها الشك، ولا تلامسها الخيانة. إنه الحب النقي الذي غمر عواطف الصغار والكبار من الرجال والنساء، بل إن حب الناس واحترامهم لهذا الملك تجاوز الحدود وامتد إلى دول الجوار، ثم عم العرب والعالم.

كان العامل الأهم في بناء هذه العلاقة الفريدة هو ثقة الناس بهذه الشخصية ذات «الكاريزما» الخاصة. لقد كان الملك عبدالله شخصاً بسيطاً، تغلب على مفرداته التلقائية والعفوية، تستمع إليه وتتذكر والديك وطريقتهما في التحدث. عندما تكلم عن المتاعب والآلام التي يشعر بها في ظهره وأن البعض يسمى ذلك «عرق النساء» نافياً أن يكون للنساء أية علاقة بالألم وأن هذه تسمية جائرة، عم الضحك والتصفيق المجلس، المعلومة ليست هي السبب، بل عفوية الملك والطريقة التي أوصل بها ما يريد، وتلك الابتسامة الساحرة التي لا تفارق محياه. صحيح أنها كانت مجرد ممازحة، لكن الناس لم يعتادوا على مثل هذه الأحاديث من الملوك. فوزراء الإعلام والمستشارون المحيطون بالزعماء العرب يضعون السياج عادة ولا يسربون مثل هذه الأحاديث؛ خوفاً من انتقاد الناس أو سخريتهم، ولم يعلموا بأن الشعوب في أمسّ الحاجة إلى الاستماع إلى هؤلاء الزعماء في عفويتهم وبلا رتوش أو إعادة.

هل تذكرون تلك النكتة التي أذاعها حول النفط؟ عندما طلب من الوزراء أن يؤمّنوا، فقالوا له نؤمّن على ماذا؟ فقال أمّنوا، وكررها ثلاثاً ثم قال: «الله يطول عمر البترول».

أجزم بأن مثل هذه الأحاديث وما سبقها من مواقف وزيارات، سواء إلى المراكز التجارية وتناول بعض الوجبات السريعة مع المتسوقين، أم إلى الأحياء الفقيرة؛ هي التي زرعت حب الناس لهذه الشخصية. لقد شعروا بأن هذا الملك مثلهم، يمارس ما يمارسونه. هذا النهج في العلاقات العامة ليس جديداً إلا عندنا في المنطقة. فمسؤولو العلاقات العامة في الدول المتقدمة يبادرون كثيراً بنصح الزعماء هناك للذهاب إلى مثل هذه الأماكن. نتذكر زيارات قام بها الرئيس أوباما وضيوفه إلى مطعم ماكدونالدز وتناولوا الهامبرغر، أو مجرد المشي في المجمعات والشوارع التجارية، على رغم كل المحاذير الأمنية.

رحم الله الملك عبدالله الذي بذل حياته في خدمة هذا الوطن العزيز. رحم الله صاحب المواقف الحازمة في أوقاتها المناسبة، التي أحدث بعضها زلزالاً لدى عواصم العالم ووكالات الأنباء العالمية. أخص بذلك موقفه العظيم رحمه الله من ثورة «٣٠ يونيو» وإعلانه الدعم الكامل في منتصف الليل لإرادة الشعب المصري الذي أطاح بحكومة محمد مرسي الإخوانية. أردت في هذه المقالة تناول الحب بين ملك وشعبه من زاوية محددة، أما الحديث عن الإنجازات الأخرى، وهي كثيرة ومتعددة، فقد سبقني من سبقني في تفصيلها.

العزاء ولله الحمد والمنة كان حاضراً ولم يتأخر لحظة. اعتلى سلمان بن عبدالعزيز منصة الحكم بعد دقائق من إعلان الرحيل المحزن. اعتلاها رجل كبير وحكيم وقائد منذ نعومة أظفاره. فهذا الرجل يثبت في كل موقف أنه الوفي الأمين. مواقفه مع الملوك في أواخر أيامهم، وموقفه من الأمير سلطان ونايف وأخيراً عبدالله، أصبحت مدارس مجانية لمن يريد أن يتعلم معنى وأصل وتطبيق قيم الوفاء والبر، وأجزم أنه رفع السقف عالياً. اعتلى الحكم وأصدر قرارات في غاية الأهمية. أقصد بذلك تعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولياً العهد ونائباً أول لرئيس مجلس الوزراء، وهذا متوقع ومحسوم، وضم أول حفيد من أحفاد المؤسس إلى منظومة الملك. نعم فقد اختار الملك سلمان بن عبدالعزيز الأمير محمد بن نايف لتولي منصب ولي ولي العهد ونائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، وهو الاختيار الذي أصاب الأعداء، ممن يراهن على اختلاف الأسرة الحاكمة، في مقتل. ليس ذلك فحسب بل إن هذا الاختيار كان أيضاً ذكياً وشجاعاً. أقول ذلك ليس إقلالاً ولا نقصاناً ببقية الأحفاد، لكن الأمير محمد بن نايف، من خلال عمله على رأس جهاز الأمن، والتحديات التي واجهها وتصدى لها من عصابات الغدر والقتل، جعلت منه بطلاً قومياً لا يختلف على احترامه أحد لا في المملكة ولا في العالم. ثم أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً آخر بتعيين نجله الشاب الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي.

أجزم بأن الملك سلمان سيسير على خطى ونهج الملك عبدالله، وسيكمل المشاريع والرؤى والمبادرات التي خطط لها أبو متعب. أذكر على سبيل المثال وليس الحصر، مبادرات تمكين المرأة السعودية من الإسهام في البناء والتنمية. مبادرات تتعلق بتقنين القضاء الذي يتطلع إليه المواطن ويأمل بتطبيقه هذا العام. برامج الابتعاث ومشاريع بناء الإنسان السعودي. كيف لا وقد حظيت هذه المبادرات وغيرها بترحيب المواطنين وتفاؤلهم بمستقبل أفضل بحول الله.

من حسن حظ هذه البلاد أن كل ملك جديد يعتلي الحكم يكمل ما بدأه الملك السابق. لا توجد أجندات خفية أو انقلابات في المواقف. فعبدالله أكمل مسيرة البناء من الفهد وزاد عليها الكثير بسبب ارتفاع الدخل الوطني. وفهد – رحمه الله – أكمل ما خطط له خالد الذي ورث الحكم من الفيصل ومن سعود. هذه هي بلادنا ولله الحمد، إذ على رغم كل ما يحاك حولها من تآمر وما يقال عنها من روايات وقصص لم تهتز، بل هي سائرة في الخط الذي رسمه لها مؤسسها العظيم الملك عبدالعزيز رحمه الله. تتمسك بالثوابت الأساسية وتتقبل تغيرات وتطورات العصر بما يساعد على النهضة والبناء والصمود. اعتدال لا يستطيع القيام به إلا العقلاء، وقد رزقنا الله منهم الكثير.

رحم الله ملوكنا من المؤسس إلى عبدالله، وأعان خادم الحرمين الملك سلمان ووفقه بنخبة من أفضل وأهم المستشارين الأمناء المعينين على الخير والصلاح، ليكمل برؤيته وقيادته وعزمه وحسمه مسيرة بناء هذا الوطن الغالي.

الكاتب فهد الدغيثر نقلا عن الحياة

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    حسين أبوياسر

    ودعت فأدميت القلب
    ورحبت فأثلجت الصدر