سماسرة الدّيات.. تُجّار للدم | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأحد, 2 صفر 1439 هجريا, الموافق 22 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

سماسرة الدّيات.. تُجّار للدم

سماسرة الدّيات.. تُجّار للدم
محمد بن دوسري العسيري

“فمن عفا وأصلح فأجره على الله”.. هذا هو الأصل في مواجهة المُلمّات، وردة الفعل أمام ارتكاب الأخطاء، إضافة إلى أن العفو والتسامح شيمة من شيم العرب، ومجتمع المملكة مجتمع مسلم مسالم نشأ على التقاليد المنبثقة من تعاليم الدين الإسلامي دون مبالغة أو تجاوز أو استغلال.

إن ما يحدث من المبالغة بطلب الديات بمبالغ طائلة تجاوزت الـ ٥٠ مليون ريال لقاء التنازل عن القصاص، مما يدعو إلى استنفار القبائل وإقامة المخيمات ونشر الإعلانات بطلب التبرع بالدية، وهو ما يُعد خروجٌ سافرٌ على تعاليم ديننا الإسلامي، وتجاوزٌ للأعراف القبلية التي كانت تنظم وتقنن التعامل مع مثل هذه القضايا، بما لا يخرج عن مقتضى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

وما نشاهده هذه الأيام من انتشار ظاهرة المبالغة في طلب الديات مقابل العفو عن القصاص، وما يصحب ذلك من تجمعات القبائل وإقامة المخيمات، وطلب الجاهات من أجل طلب العفو يسيئ لكل الصور الإيجابية التي يتناقلها العالم عن أصالة شعب المملكة وأنهم قدوة حقيقية للمجتمع المسلم، والعفو في أصله لم يكن في يومٍ من الأيام من أجل المظاهر والمزايدات، بل جاء لأن “ما عند الله خير وأبقى”.

وبعد أن أصبحت المتاجرة بالدماء وسيلة من وسائل الثراء، بتعاون الوسطاء، والسماسرة الذين يستغلون بعض مشائخ القبائل، ومشائخ العلم والوجهاء والأعيان ورجال الدين، في وجاهات ومطالبات استخدموها في طلب الديات والترويج لذلك بين أسرتي الجاني والمجني عليه، وأضحت لدى البعض وسيلة للكسب والاتجار بالدماء، متناسين قوله تعالى: “(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

عندما يكون أغلب الوسطاء والذين من المفترض أن يكونون على قدر من المسئولية والحكمة، ومخافة الله، سبباً ـ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ـ بتلك المزايدات، ورفع مبالغ الديات على هذا الحق إلى حدودٍ لا يستطيعها القادرون، فكيف بمن لايجد قوت يومه، بل يشترطون نسباً معينة من مبالغ الديات ترتفع النسبة بارتفاع المبلغ الذي يستطيعون إقناع أهل الجاني بدفعه، حتى انحرف الأمر عن مساره وأصبح الأمر سبباً في التكسب والمتاجرة والاستغلال، وفي المقابل فإن الجناة والخارجون على القانون لم تعد تهمهم الجريمة، فمن يقتل يجد من يتدخل لدى أهل الدم من “السماسرة” الذين يسعون لدى أهل الخير والإحسان في عتق رقبته، فيتوسطون دون أن يميزوا الأمر، فتجدهم يأخذون الأموال الطائلة من الزكاة والصدقة التي هي مستحقة للفقراء والمساكين وغيرهم، ويتصلون على من لديه زكاة أو وقف أو مال، قد تكن له وجهة أفضل من دفعه كعوض مبالغٌ فيه للقصاص، فيصبح الأمر بابٌ للتربح وإذكاء الفتنة ونشر الكراهية وإثارة النعرات الجاهلية، في حين أن أغلب من يقدم تلك المبالغ المالية الكبيرة لعتق الرقاب لايقدمونها إلا لغرض الاستعراض والتباهي والشهرة واستجداء المديح والثناء، والظهور عبر وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، ولم يعد من يقدم مبالغ لمثل هذه الحالات يقدمها باسم “فاعل خير” يسعى بها إلى ماعند الله تعالى من الأجر والفضل، والوصول للهدف الحقيقي من تقديم ذلك التبرع إلا في النادر، والنادر جداً.

وقد صدرت فتوى لجنة الإفتاء رقم 23211 في 19 صفر 1426هـ حول هذه العادات والأحكام التي وصفت أغلبها بالقبلية، بأن ما ذكر من الحكم والتحاكم إلى الأحكام العرفية والمبادئ القبَليّة، كالثارات ودين الخمسة أو العشرة والغرم وغيرها، كل هذه ليست أحكاماً شرعية، وإنما هي من الأحكام القبَليّة التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ويحرم على المسلمين التحاكم إليها.

إننا أمام قضية مجتمعية تستوجب أهمية نشر ثقافة العفو والتسامح بين الناس، وأهمية دور العلماء وأهل الفكر والرأي من أساتذة الجامعات وخطباء الجوامع في تكثيف الوعي الديني بين الناس والتحذير من تلك الظاهرة السيئة، وكبح جماح من يستغل ذلك، والأخذ على أيديهم ومعالجة هذه الظاهرة السيئة بما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة.

كما أنه لابد من سن القوانين الصارمة التي تمنع الاتجار بالدم، وتطبيقها بما يكفل عدم استغلال حاجة الجاني وأسرته للعفو وعتق رقبته، فإن لولي الأمر الحق في التدخل في الحد من المغالاة في الديات ما دام فيه مصلحة للناس ومنعاً للمشاق والضرر الذي خرج عن مساره السليم فالقاعدة الشرعية تنص على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

إن صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين بالأمر السامي القاضي بالموافقة على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا المتضمن أن الأصل في الدية الإبل، وأن دية الخطأ أخماس، ودية العمد وشبهه أثلاث، ويجوز إعادة تقييمها حسب أقيامها في كل زمن، حيث أصبحت دية الخطأ 300 ألف ریال سعودي، ودية العمد وشبه العمد 400 ألف ریال سعودي، وهذا المبلغ الذي حدده الأمر السامي يمثل حلاً وسطياً ينهي الخلاف ولا يرهق الناس ولا يجبر أهل الجاني على تكفف الناس ونصب الخيام لجمع التبرعات، أما ماعدا ذلك من المبالغات في الأموال المطلوبة فهذا يُعتبر صلًحا عن الدم، أي عوضٌ مبذولٌ مقابل عفو الورثة أو بعضهم عن استيفاء القصاص، وإذا سلمنا بأن الصلح يتجاوز مبلغ الدية للعفو عن القصاص٫ فإنه من غير المقبول تجاوز المعقول، والذي تعارف عليه الناس وحتى وقت قريب بأن لا يتجاوز من ثلاثة وحتى خمسة ملايين ريال، ليكن ذلك عوضاً لمن فقدوا عائلهم، وليس ما يحدث الآن بعد انتشار “تجار الدم” في كل قبيلة حتى أصبحوا يمتهنون هذا العمل ويعرفون بذلك بين الناس، حتى أنهم يجاهرون بنشاطهم بحجة كسب الأجر، ومساعدة أسرة الجاني.

وأشير إلى أن هناك أمرٌ سامٍ يقضي بمنع جمع التبرعات العشوائية ونصب الخيام، وضرورة التنسيق في ذلك مع وزارة الداخلية وإمارة المنطقة، وفتح حساب مشترك يُغلق تلقائياً بعد استيفاء المبلغ المطلوب، سيمنع المتاجرة والتكسب بالدماء والرقاب.

إن تطبيق هذه الأنظمة وسن أنظمة أخرى أكثر دقة والحرص على متابعة مخالفيها ومجازاتهم سيكون جزء من الحل لهذه القضية التي أصبحت تتفاقم يوماً بعد آخر، فكلنا نتابع وسائل التواصل الاجتماعي، وما تبثه كثير من القنوات الفضائية البعيدة عن عين الرقيب في شريطها الإخباري، بهدف الجمع العشوائي لمبالغ طائلة وعبر حسابات بعضها ليست رسمية، مما زاد من ظهور وانتشار سماسرة الصلح الذين يفرضون نسبة لهم من ثمن الصفقة، فتكون باباً للتربّح والكسب غير المشروع الذي أصبح مهنة لعدد كبير منهم للأسف.

إن الإهمال والتراخي في عدم مراقبة ومتابعة مثل هؤلاء والأخذ على أيديهم أصبح سبباً رئيسياً في إذكاء الفتنة، ونشر الكراهية، وإثارة النعرات الجاهلية، وإحداث القطيعة بين بعض أولياء الدم خاصة إذا تم الاتفاق على الحصول على أكثر من الدية دون رضى بعض الورثة، وبعد سقوط حقهم في القصاص، يرفض تسليمهم نصيبهم من مال الصلح، ويكتفي بنصيبهم من الدية الشرعية، وهذه القصص تحصل بكثرة للأسف وتتسبب في مشاكل كبيرة قد تجرُّ ويلاتٍ أخرى.

وأرى أنه من المهم العمل على حث مراكز البحث بالجامعات لدراسة مثل هذه الظواهر المجتمعية من جميع جوانبها، والخروج بحلول جذرية صالحة للتطبيق، إضافة لحث مشائخ القبائل ورؤساء المراكز وأئمة المساجد للمشاركة بشكل إيجابي في حل هذه المشكلة.

كما أقترح أن يتم تكريم المتنازلين عن القصاص دون مقابل، والاحتفاء بهم في المناسبات الرسمية العامة على مستوى الوطن، وتشجيع غيرهم على الاقتداء بهم.

#تغريده: إن المطالبة بدفع مثل هذه المبالغ الطائلة، الجائرة، أشنع من القتل، وهو بريء من الصلح الذي يصفونه به المغالون المستغلّون.

*رئيس التحرير

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة