علماء وقضاة ومتخصصون بمنطقة الباحة يحثون على العفو وعدم المبالغة في الديات | صحيفة المناطق الإلكترونية
الجمعة, 30 محرّم 1439 هجريا, الموافق 20 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

اكتشاف عشبة تدمر 98% من الخلايا السرطانية ضبط 3 إقامات مزورة بحوزة مقيم آسيوي بجدة مخاطر الطقس البارد على الهواتف والأجهزة الإلكترونية سمو ولي العهد يأمر بترقية قاتل إرهابي قصر السلام إلى رتبة ملازم بعد طرده الوفد الإسرائيلي.. استقبال حافل لمرزوق الغانم في الكويت الاتحاد السعودي: شركة صلة تتحمل مسؤولية ظهر العامل الآسيوي باللباس غير اللائق مسؤول يمني يؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بشأن إيران فضحت تدخل طهران في بلاده مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي يختتمان اعمال مؤتمر “العلاقات التجارية والاقتصادية” ببلجيكا اجتماع اللجنة المشتركة بين الأمانة العامة لمجلس التعاون وأمانة منظمة التعاون الإسلامي في الرياض الأثنين القادم قرار إنشاء مجمع الحديث النبوي الشريف أهدافه عظيمة ومعانيه سامية وامتداد لخدمة الإسلام ونشره أمير الحدود الشمالية : الأمر الملكي بإنشاء مجمع خادم الحرمين الشريفين للحديث النبوي خطوة تاريخية لجمع الكلمة ومواجهة المناهج المتطرفة عمل تبوك يحقق المركز الأول في برنامج “نطاقات مكاتب العمل ”

علماء وقضاة ومتخصصون بمنطقة الباحة يحثون على العفو وعدم المبالغة في الديات

علماء وقضاة ومتخصصون بمنطقة الباحة يحثون على العفو وعدم المبالغة في الديات
واس - الباحة

العفو والتسامح من الأمور التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف ، ودعا لاحتساب الأجر والفضل الكبير من الله سبحانه وتعالى، لما وعد الله به من أجر ومثوبة، كما قال عز وجل ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ، كما أن العفو والصفح في القصاص الذي يعتبر من شيم العرب وصفاتهم النبيلة يعد تاجاً يمكن أن يلبسه أي إنسان، فهو يؤخذ ولا يعطى وينظر إليه الناس بمختلف فئاتهم بالمحبة والإعجاب والتقدير ويغبطونه على مامنحه الله من صفات حميدة جعلت ذلك الإنسان يعفو دون مقابل لقاء ما وعد الله به في يوم لاينفع مال ولا بنون.
وفي هذا الصدد وفي بادرة إنسانية، سجل / علي بن حسن العُمري، من سكان قرية بني احمد (وادي ممنا) في محافظة المخواة ، تنازله لوجه الله تعالى عن قاتل ابنه ، ليضرب بذلك أروع صور التسامح والتآخي التي حث عليها ديننا الإسلامي ، مؤكداً بأنه يشعر بالسعادة وليس نادماً على ما فعل بل هو راضي كل الرضا عن التنازل الذي جاء لوجه الله عز وجل.
وقال العُمري بعد أن تنازل عن قاتل أبنه خلال الشهر الماضي ” إنني أؤمن بقضاء الله وقدره ، وبأن ابني رحل عن دنيانا الفانية ليقابل ربه وهو في عز شبابه في يومه الموعود، ولم شك بأن قاتل أبني لم يفعل ذلك لوجود علاقة عدائية أو خلاف مع ابني ، بل هي نزعة شيطان من شاب طائش لم يعرف بأن تهوره هذا سيؤدي إلى وفاة ابني”، داعياً الشباب إلى الإفادة من هذه الحادثة، خصوصاً الذين لا تخلوا مشاجراتهم من التهور واستخدام بعض الأسلحة مما تؤدي لإزهاق أرواح وعواقب وخيمة يندم عليها بعد ساعة لا ينفع معها الندم.
وبين أن ديننا الحنيف حث على ضبط النفس في لحظة الغضب، وعلينا أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب) ، مؤكداً أن تنازله وعتق رقبة قاتل أبنه لم يأت بضغوط وشفاعات بل لرغبة ذاتية الهدف منها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وليس لشهرة أو غيرها إنما لوجه الله عز وجل الذي يعطي ويأخذ ويخلف ويهب .
ويوجد من هم من أمثال ” العم علي ” الذين يحرصون على العفو والصفح في القصاص طالبين بذلك وجه الله ، وشعارهم ما عند الله تعالى هو خير وأبقى، كما في قوله ( وللآخرة خير لك من الأولى ) ( وما عند الله خير وأبقى ) ، إلا أنه برز في الآونة الآخرة أمرٌ عظيم وخطير ألا وهو ” المبالغة في الديات ” التي أصبحت مظهر من مظاهر ضعف وخلل بدأ ينخر المجتمع ومتاجرة بالدماء ، وذلك كما وصفها عدد من القضاة وأهل العلم والمتخصصين في استطلاعٍ لـ ” واس ” حول ظاهر ” المبالغة في الديات ” .
وقال فضيلة رئيس محكمة الاستئناف بمنطقة الباحة الشيخ عبدالله بن أحمد القرني: إن ظاهرة المبالغة في الديات أمرٌ عظيم وخطير في نفس الوقت لما له من السلبيات التي تؤثر على المتخاصمين ، مؤكداً أن مما شرعه الله لنا هو التحاكم في القصاص إلى حكمه العدل الذي حكم سبحانه في شرعه المطهر على القاتل عمداً وعدواناً بالاقتصاص منه لورثة القتيل.
وبين فضيلته أن الله من رحمته تعالى وسع في ذلك على عباده فكان أن شرع سبحانه وتعالى العفو عن القاتل عمداً إذا وافق ورثة القتيل ورُغبوا في الأجر بالعفو لوجه الله أو العفو للدية ، دية العمد أو الصلح فقال تعالى مبيناً ذلك ( فمن عُفي له من أخيه شئ فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) ، مشيراً إلى أن الله سبحانه بين التنازل عن القصاص إلى الدية عفواً لأنه أخف على أهل القاتل في تقبل الأمر وأخف كذلك على المجتمع في التسامح وطريق إلى طلب الأجر من الله للعافي والساعي في ذلك لله .
وأبرز الشيخ القرني فضل العفو ومكانته عند الله وعظيم الأجر الذي رتبه تعالى عليه ، فقال تعالى ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) ، مبيناً أن الله تعالى أخذ يدعوا المجتمع المسلم إلى السعي بالإصلاح بين الناس وأشركهم في الأجر بل ورتب لهم على ذلك الثواب العظيم ، وجعل أفضل حديثهم وأفضل نفقاتهم وأفضل مساعيهم بشكل عام فيما كان في تحقيق هذا المبدأ العظيم الإصلاح بين الناس، فقال تعالى في محكم التنزيل ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) ، فيما ميّز الله بين من تكون مساعيه لله وفي الله وبذله في ذلك لله وحرصه على الصلح لله وجهده واجتهاده لبلوغ ذلك كله عند لله فقال لهم تكريما و تشويقاٌ وإستحثاثاً ( ومن يفعل ذلك إبتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ).
ونوه فضيلته بالتوجيهات السامية الكريمة من ولي الأمر – حفظه الله – الرامية لتعزيز هذا المبدأ الاجتماعي الشرعي السامي مبدأ الصلح في الدماء في وقائع القتل عمداً مع التوجيه بعدم المبالغة في مبالغ الصلح تمشياً مع مبادئ الدين الحنيف ، حيث تم تفعيل لجان إصلاح ذات البين في كل المناطق والمحافظات بالمملكة ، مبيناً الأثر العظيم لدور تلك اللجان في ذهاب سخائم القلوب التي يوقعها الشيطان بين أفراد المجتمع الواحد ولما في ذلك من قطعٍ لدابر المنازعات والخصام والفتن والإعتداءات ، عاداً ذلك من حِكم ومعاني العفو والإصلاح بين الناس ومما يقوي ترابط وتماسك المجتمع المسلم وإبقاءه مجتمعاً متحاباً مترابطاً متعاوناً متآزراً متمسكا بدينه ، كما أمر الله ورسوله أن يكون قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) وقال سبحانه ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) .
وأشاد فضيلة رئيس محكمة الاستئناف بالباحة بتشكيل لجنة لإصلاح ذات البين في المنطقة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير مشاري بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة الباحة ، الذي يحظى بإحترام الجميع والتقدير لمساعيه في إصلاح ذات البين وفي كل مامن شأنه نفع المنطقة وترابط أهلها وتقديم ما ينفعها وجعل مجلسه بالخير المتجدد لايخلو من لقاء خاص بطلبة العلم لحثهم على توجيه الناس وإرشادهم في أمور دينهم وبالأخص الشباب منهم لما يقابلون من تحديات ومدت اللجنة جسور مساعيها الخيرية الإصلاحية إلى جميع محافظات المنطقة.
وحذر الشيخ القرني مما يقع في هذه الأيام من مبالغات كبيرة جداً في مبالغ الإصلاح في الدماء حتى أصبحت مما يستنكر ويعاب على أهل بلاد الدين والتسامح والشيم والأخلاق من عهد الآباء والأجداد ، الذين يعيبون فيها مثل هذه التصرفات التي تنمي عن القسوة والجشع والطمع والطريق للتفكك لما تسببه من خلافات كبيرة عند عدم القدرة لتحمل مثل هذه المبالغ الباهظة أو عند عدم الانصياع لها سواءً من فردٍ أو مجتمع أو مقتدرٍ مما ينقلب عكسياً على المجتمع بتفكك روابطه وذهاب الغاية التي من أجلها شرع العفو والسعي بين الناس بالصلح ، لافتاً إلى أن ذلك الأمر ربما كان طريقاً إلى الوزر إذا وصل إلى هذا الحد المرفوض ممن له أدنى تأمل في العواقب ، مفيداً أن الصلح إلى الدية في القتل العمد أو العفو لوجه الله تعالى هو رحمة من الله تعالى ولو شاء الله لما كان بدٌ من القتل دون عفو كما كان في شريعة اليهود أو الدية فقط دون زيادة أو نقصان كما كان في شريعة النصارى ولكن جمع الله لنا في شريعتنا الغراء بين الخير في ذلك كله رحمة منه ولطفا فكان فيه فرصة لأولياء الدم بالتقرب بحقهم في القصاص إلى ربهم رجاء رحمته فتكفّر به ذنوبهم وتعتق رقابهم من النار.
وأردف الشيخ القرني قائلاً ” هنيئاً لمن وفقه الله لذلك ولا إله إلا الله ما أعظم أجره وأعظم حظه من الخير ، ” وما يُلقّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم ” ، والحمد لله نال هذا الخير من متصدق بذلك لوجه الله تعالى فنال خيري الدنيا والآخرة أجر عظيم ودعوات متتابعة وعز وشرف فما زاد الله امرؤُ بعفو إلا عزا ، ثم إن في الصلح كسراً لحقن أولياء الدم وإطفاء لبقايا جذوة غضبهم على القاتل في جواز أخذهم الدية أو الصلح في العفو عن القاتل عمداً كما أنه فيه إظهار ترابط المجتمع وتلاحمه وتراحمه من خلال هذه المساعي السامية النبيلة التي تدل على الرحمة والتعاطف”.
وعد فضيلته ما ظهر للعيان هذه الأيام من المبالغة في أموال العفو عن القصاص إلى الملايين التي تخرج الصلح عن مسار الخير والرحمة والأجر والثواب وطلب رضا الله نوعاً من الجشع والطمع في الدنيا والمتاجرة بدم القاتل وتقليل الحياء مع الله ثم مع حِكمة شرعه المطهر بالإذن بذلك للرحمة واللطف إلى هذا البلاء العظيم وأكل أموال الناس بالباطل والتلاعب ، مبيناً أن ذلك يعرض أهل القاتل وقرابته والساعين والمحبين للخير إلى مالم يسبق لهم بمثله وتعريض أهل القاتل إلى الهم والغم الذي لا داعي له وإلى الحرج و الذِلة وإراقة ماء الوجه لفك رقبة القاتل وإدخال المجتمع كله فيما لا ينبغي لا شرعاً ولا عرفاً ولا إخاءً ولا شيمة.
وأضاف فضيلته ” لهذا أقولها وبكل صراحة بل وأرسلها صرخة مدوية إلى آذان العقلاء والرحماء وأهل الشيم والحل والعقد في مجتمعنا الإسلامي المتلاحم المتراحم المتعاطف الملتزم بتعاليم دينه والمتمسك بشيمه وأصالته ونخوته العربية الأصيلة ، بأن هذا المنحى الخطير لمسار الصلح في الديات وفك الرقاب إلى هذا المنعطف الخطر المتمثل في المبالغات الكبيرة جداً في عتق رقبة القاتل إلى هذا الحد مما لا ينبغي حقاً ويعتبر من الجشع والطمع الممقوت المرفوض ومنكر واستغلال لعواطف الناس بغير حقٍ ولا هدىً ولا كتاب منير فكفو مجتمعكم عن ذلك وذبوا على تراحمكم باستنكار ومنع كل من يستغل مساعي الصلح إلى أحلام الثراء إذلالاً وإغاظة لكل من له صلة بالقاتل وكل من في نفس حب للخير “.
وشدد رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال في ديننا تعدي الوزر إلى غير من وقع منه الوزر لأن الله تعالى قال ” ولاتزُر وازرة وِزر أخرى ” ، لافتناً النظر إلى أن هذه الأفعال غير المرضية من كل عاقل والمشينة في نفس الوقت تعتبر إدخال للمجتمع بأسره وأهل الخير فيه ، في وزر من وقع منه الوزر القاتل الباغي على أخيه المسلم بقتله ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح : إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة ” إلى آخر الحديث ، داعياً إلى عفوٍ برحمه أو أخذٍ بعدل ، وأما الظلم والجور والتعاون عليه وإحراج الولاة وأهل الخير وذوي القاتل بغير حق فباطل ولا يجوز ولو كان في لباس الخير والصلح فأما عفو بإحسان وشيم ورغبة في الخير وأخذ المعقول والالتزام بما نصح به ولي الأمر عند العفو إلى الصلح رعاه الله أو ترك النفس الباغية تطهّر ذنبها بالاقتصاص منها تطبيقاً لشرع ربها وبراءةً لها عند بارئها وإراحة لخلق الله من ابتزازها والتنكيل بها بهذه الطرق المشينة الدخيلة على مجتمعنا المسلم المحافظ على أصالته وشيمه وأخلاقه وتعاليم دينه .
وأكد الشيخ القرني أن التهاون في ذلك منذر شؤم وداعي وباء وبلاء وطريق إذلال وقطع للتراحم وقسوة دنيا وجفاء إخاء وتسليط مستغل وضرب للأخلاق والشيم والتراحم في المقتل ، سائلاً الله أن يريد بنا خير وأن يجعل أمرنا إلى خير ويسلمنا من كل شرٍ وأن يديم على بلادنا وولاتنا الأمن والأمان والإستقرار
من جانبه أوضح كاتب عدل محافظة العقيق وإمام وخطيب جامع عبدالله بن عباس بالمشيريف الشيخ عبدالله بن عوضه آل مديس ، أن القصاص من الجاني حق خاص للمجني عليه أو لورثته ،والعفو عن الجاني ، يعد من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى .
وقال الشيخ آل مديس ” لقد لفت النظر في الأواني الأخيرة انتشار المبالغة في طلب الديات والمزايدة في ذلك وانحراف الأمر عن مساره الصحيح وهو عدم العفو من اجل الله ” ، مؤكداً أن من الخلق الكريم والصفات الحميدة العفو والتجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه لأن الله عفوٌ يحب العفو كما قال عز وجل ” وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ” .
وبين أن ظاهرة المبالغة في طلب الديات والتجمعات ونصب الخيام وغير ذلك ، لطب العفو الذي لم يكن يوماً من الأيام من أجل دنيا أو مظاهر زائلة وتجمعات مثقلة لأسر الجاني ، فالعفو إنما هو شيمة وقيمة إنسانية لاتقدر بثمن فما عند الله خيرٌ وأبقى .
ودعا الشيخ عبدالله الجميع إلى القيام بدورهم وتوعية من والاهم الله ولايته وحثهم على العفو وعدم إرهاق كاهل من لا ذنب لهم ، مؤكداً على المصلحين أن يتقوا الله ويراعو الأمانة التي من أجلها شرع الصلح وعدم الزيادة في طلب الديات أو تكليف أهل الجاني وتحملهم بما لا طاقة لهم به بمبالغ طائلة تخرج عن مخالفة المقاصد والشرعية التي شرع العفو والصفح عن الجاني.
وأكد أمين لجنة إصلاح ذات البين بمحافظة العقيق محمد بن سعيد شباب الغامدي ، أن ولي الدم صاحب حق شرعي أن أخذه فلا بأس وأن عفى لوجه الله كان له أجر عظيم لأن العافي ” أجره على الله ، منوهاً بالدور البارز الذي يبذله ولاة الأمر في هذه البلاد وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – في السعي وطلب الشفاعات التي يكون لها الأجر الكبير من الله.
وبين أن العفو في الآونة الأخيرة أخذ اتجاهاً آخر لأشبه ما يكون بالمتاجرة ، حيث يدفع ملايين الريالات التي قد يشترك في أخذها عدة أيادي ، مشيراً إلى أن هذا الأمر يجعل العفو مبطناً من أجل الملايين فقط وليس لوجه الله الذي ربما يكون كذلك في الظهر وأمام الملاء .
وقال الغامدي لقد حدد ولاة الأمر – حفظهم الله – الديات ، أما المبالغة في الديات التي تتجاوز الحدود التي يسعى فيها البعض من أجل المادة فهي من الأمور التي لا ينبغي ” ، مؤكداً على أهمية التصدي لهذه الظاهرة من قبل أصحاب الرأي وأرباب الدعوة وحملة الأقلام لتثقيف المجتمع ونشر فضيلة العفو وحث الناس على تقديم الآخرة على الدنيا الزائلة .
وأبرز ما شهدته حياة من عفى لوجه الله من تغير كبير حيث ظهرت عليهم أثار العفو من صحة ومال وصلاح وحجة عند الناس ، مشيراً أن ذلك ليس غريباً لقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ” ما زاد عبداً بعفوٍ ألا عزاً “.
كما أوضح رئيس قسم التربية الإسلامية بإدارة التربية والتعليم بالباحة إمام جامع الملك سعود بالباحة الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الباقي أن الله تعالى بين في كتابه المبين عظم جرم قتل النفس المحرمة المعصومة عمداً بغير حق، فجعله كبيرة من كبائر الذنوب ، وجعل الحكم في القاتل إلى ولي الدم إن شاء اقتص وإن شاء عفا عنه ، قال تعالى (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) وقاله عز وجل (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ) ، ، مشيراً إلى أن حكمة الله سبحانه وتعالى وإرادته في إبقاء العنصر البشري وجعل مساراً آخر لولي الدم، عرضه عليه بأرق العبارات وألطف الإشارات حيث قال تعالى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَأتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) .
وقال الدكتور الباقي ” إن المتابع لما يقع في هذه الأيام في بلادنا من اشتراط ديات تقدر بملايين الريالات مما يعتبر شرطاً تعجيزياً للقاتل وأوليائه ففيه عدد من المفاسد من أهمها : تعليق حياة الغريم بين القصاص والدية مما يجعله في حالة قلق دائم على مستقبل حياته، حتى إن بعضهم لتمنى القول الفصل في قضيته ولو بالقتل المحقق عوضاً عن حالة القلق التي يعيشها بين الأمل والأجل ، وهذا ينافي حقيقة العفو فإن العفو حالة تشبه الغيث بعد الجدب، والطمأنينة بعد الخوف ، فبالعفو تتم حالة فرح كاملة للطرفين “.
وأكد أن المبالغة في الدية لا تتلائم مع الروح الإسلامية القنوعة الراضية، والراجية ما عند الله تعالى شعارها ( وللآخرة خير لك من الأولى ) ( وما عند الله خير وأبقى ) ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق )، وهي كذلك لا تنسجم مع الروح العربية الحرة الأبية التي لا تتخذ دماءها سلعاً تباع وتشترى، ولا تعرضها للسوم والمزايدة ، مشيراً إلى أن تعريض عصبة القاتل لذل السؤال والتعرض لإحسان المحسنين وإن كانوا في غاية العفة تجاه المسألة، ولكن الإجحاف في الدية جعلهم بين أمرين أحلاهما مر الأول التخلي عن ابنهم وقد فتحت له نحو الحياة نافذة، والأخرى مسألة الناس واستعطافهم لمد يد العون لابنهم الأمر الذي ينافي سمة التراحم التي يتميز بها المجتمع المسلم.
وخلص الى القول أن العفو الحقيقي يورث المودة بين طرفي القتل فتنقطع أسباب العداوة وتنمو غراس المودة ولذلك سمى الله تعالى العافي أخا للقاتل في قوله ( فمن عفي له من أخيه شيء)، ولكن العفو بالشرط المليوني لا يحقق هذه المصلحة الشرعية العليا، بل ربما يتسبب في بقاء العداوة ولو إلى حين .

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة