بين قتل الوالدين وتفجيرات الحرم.. وقفة “مأساة وألم” | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأحد, 2 صفر 1439 هجريا, الموافق 22 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

بين قتل الوالدين وتفجيرات الحرم.. وقفة “مأساة وألم”

بين قتل الوالدين وتفجيرات الحرم.. وقفة “مأساة وألم”
د.علي بن فايز الشهري
تتعثر الكلمات على لساني، وتضيع التعابير من فكري، وينتابني ما يشبه الهذيان والعمى النفسي، حينما تلقيت خبر قيام أخوين توأمين بقتل والديهما بمنزل العائلة بحي الحمراء بالرياض، لتتوفى الأم ويُصاب الأب بجروح فيما تعرض ابنهما الأصغر لإصابات خطيرة جراء اعتداء أخويه عليه.
أنا أفهم أن الإرهاب لا دين له، وأفهم أن الانحراف الفكري طامّة كبرى ابتُليت بها الأمة منذ قرون عديدة ، وأفهم أن الجهل يمكن أن يصل بصاحبه إلى الدرك الأسفل من الوضاعة والسفه، ولكني لا أفهم أبداً أن يقدم أحدهم على قتل أبويه بأعصاب باردة مع سبق الإصرار والترصد، هذا الذي لا زلت إلى اليوم لم أستطع فهمه، ولم استطع حتى التفكير في تفاصيله لشدة وقع المصيبة وألم الفاجعة، والأسف الممزوج بالدمع على ما وصل إليه حال بعض أبناءنا ممن استهواهم التكفير ولعبت بفكرهم شناعات “داعش” وصنائعهم المخجلة منذ أن سطع نجمهم في السنوات القليلة الماضية.
ومهما حاولت أن أتحاشى عبارات التأنيب، وأتناسى عبارات الوعظ إلا أنه لا يمكن لي مهما حاولت أن أتغاضى عن كلام رب العزة جل وعلا حينما أمر ببر الوالدين والحث على الإحسان إليهما حتى ولو لم يكونا مسلمين، قال تعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون”، قيل نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما روى الترمذي: قال سعد أُنْزِلت فيَّ أربع آيات فذكر قصة، وقالت أم سعد أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت أو تكفر، قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية “ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي…”، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: “الصلاة على وقتها” قال: ثم أي؟ قال: “بر الوالدين”، قال ثم أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الله”، ومن البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف.
وهل أكبر من الكبائر مصيبة يُبتلى بها الإنسان في دنياه فيضيع في دنياه آخرته، ويبوء بغضب الله عز وجل، ويُرمى بنار جهنم خالداً مخلداً فيها؟.
كيف زين الشيطان لهؤلاء الأخوين ما قاما به من فعل يهتز له عرش الرحمن غضباً؟ وما الذي دار في خلديهما حينما فكرا في قتل والديهما المشهود لهم بالإيمان والتقوى بشهادة إمام مسجد حي الحمرا الشيخ عثمان المنيعي والذي جاء في تغريدة له على تويتر قائلاً: أنا إمام مسجدهم ولكم أن تتخيلوا أنهم لا يشهدون الصلاة معنا، ووالدهم أول من يدخل المسجد، ووالدتهم صلت التراويح معنا.
فأي وصف يمكن أن توصف به هذه الجريمة النكراء؟ وأي عقل يمكن أن يتحملها ؟ إنها لعمري فاجعة فكرية لا يمكن أن توصف بكلمات، بل إن الكلمات تقصر في التعبير عنها أيما قصور.
وبعد هذه الفاجعة الكبرى تفاجأ العالم العربي والإسلامي بحادثة التفجير في الحرم النبوي الشريف هذه الحادثة التي يتفطر لها القلب حزناً وكمداً وتُخفي ورائها ما تخفي من فكر سقيم، ونفوس مريضة بينها وبين الدين الإسلامي أمداً بعيداً.
لا يمكن أن يتصور عقل مسلم أن يحدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث، ولا يمكن لصاحب فطرة سليمة أن يتوقع ما حدث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أناس يخرجون من المدينة إلى اليمن وغيرها بعد فتحها “والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه, ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كانت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة، وفي رواية: “ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء”.. صحيح مسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل”.. رواه الطبراني، ولكل مشكك في جرائم داعش وانحرافهم الفكري، ولكل من يدافع عن هذا التنظيم الظلامي التكفيري نقول بأن من قام بالتفجير في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت من أمريكا، ولا من إسرائيل، بل أجزم أنه ممن يدعي الإسلام والإسلام منه براء.
ليس هناك أشد ألماً من رؤية دخان التفجير يتصاعد من حول مسجد رسول الإنسانية، إنه منظر يدمى له قلب كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لا يمكن أن نقول سوى لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم من أراد بالإسلام وبالحرمين الشريفين شراً فأشغله في نفسه، ولعنة الله والناس أجمعين على من فكر ومن خطط ومن نفذ، بأي عقل نفهم تفجير المدينة المنورة قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأي كلمات نصفه ؟؟!!!
 
 
*مستشار بوزارة العدل

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة