أمير المبادرات الوطنية | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأحد, 29 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 17 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

أمير المبادرات الوطنية

أمير المبادرات الوطنية
د.أحمد سعد آل مفرح*

عندما تولّى الأمير خالد الفيصل مهام إمارة منطقة أبها “عسير” في ٢٣-٢-١٣٩١هـ، كنت حينها طالباً في المرحلة المتوسطة، جاء إلى أبها وعمت الفرحة وأنشد طلاب مدارسها في حفل الاستقبال الكبير الذي أقيم على شرفه أناشيد متعددة، وشاركت في نشيد كان من ضمنه أبيات تقول:

أبها تموج فرحة 

بخالد أميرها

أكرم به يقودها 

وكلنا من حوله

إلى العلا يقودنا

كلمات لازالت تختزنها ذاكرتي إلى اليوم صدحنا بها في ساحة البحار بأبها، ثم بدأت مع قدومه قصص التنمية العسيرية، ومبادراته الوطنية التي كنا شهوداً عليها.. فهذا مجلسه عامرٌ يومياً بالمسئولين وطلبة العلم والمفكرين والأدباء وضيوف المنطقة وأصحاب الحاجات، مفتوح للعموم دون استثناء؛ لم يتأخر عن مجلسه أو يوقفه إلا حال غيابه خارج المنطقة، فكّون مدرسة فكرية وطنية غاية في التنظيم والإبداع، ودقة في حسن الإدارة، وثرية بالمفيد والجديد، وإن كنت أقل المستفيدين من ذلك المجلس بحكم غيابي عن المنطقة للدراسة ثم الوظيفة، إلا إني كنت أتلقى باستمرار من كبار أسرتي الذين يحرصون على الحضور الدائم ومن الزملاء والأصدقاء أخبار وجديد ذلك المجلس.

ثم انطلقت مشروعات التحديث والبناء لمنطقة عسير ومدنها، فشقت في أبها الشوارع الحديثة على الرغم من إزالة أحياء قديمة بوسطها مثل البديع والربوع والقرى ومناظر وغيرها لتحديثها وتطويرها، لكنها ضريبة التنمية فلابد من ذلك للإبقاء على أبها مركزاً حضارياً وإدارياً لجزء كبير من جنوبنا الغالي وعاصمة لعسير المنطقة، وتم شقّ الطرق على سفوح جبالها الشامخة ومد الجسور عبر أوديتها السحيقة والأنفاق الطويلة تخترق جبال السروات في شبكة طرق حديثة لربط تهامة بالسراة وكذا مدن المنطقة بعضها ببعض.

وكان أول مجمع حكومي في حي القرى بأبها ضم في محيطة كل المصالح الحكومية التي أحاطت بإمارة المنطقة ببناء هندسي ومعماري وعصري أنيق.

وهذه قرية “الملك فيصل الخيرية” نواة مراكز النمو التي انتشرت في عسير السراة وتهامة لتحل جزءاً من مشاكل السكن للمحتاجين بجهود ذاتية من مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وتضامن من الجهات الخدمية لتوفير كل الخدمات في مدن صغيرة مكتملة الخدمات.

وكان تطوير وافتتاح منتزهات السودة والفرعاء وتمنية والحبلة ودلغان بعدما جُلبت لها أفضل الشركات العالمية المتخصصة في تنفيذ المناطق السياحية “للأسف فقد أُتلف بعضها بسبب سوء التشغيل والمتابعة”، وأصبح يتوفر بكل منتزه كافة احتياجات المتنزهين من تمديدات المياه وأماكن المواقد وكراسي وطاولات الطعام الخشبية الأنيقة ودورات المياه ومواقف السيارات وألعاب الأطفال وممرات تخترق أشجار العرعر وشجيرات البعيثران والحبق، دون تأثير أو تشويه للبئية.

كيف لا وهو المبادر لحماية الحياة الفطرية ورائد حملة “حماية الشجرة” في حملة شاملة وحازمة أذكرها إلى الآن للحد من الاحتطاب الجائر لإيقاف إتلاف الغطاء النباتي، كنا حينها لم ندرك أبعاد تلك الحملة التي خطط لها وقادها بنفسه ولقي في سبيلها الكثير من التحديات غير أنها رسمت خطّاً وطنيا للمحافظة على الشجرة والحياة الفطرية في المملكة.

وهاهي أبها تكتسي حلة زاهية  تلفت نظر زوارها من أعالي المرتفعات أو من الأجواء بعدما وجه بطلاء المباني بألوان متعددة فصنع بفكره مزيجاً من الألوان للوحة حيّة عكست ذائقته الفنية، وأماط به اللثام عن سر عشقه ورؤيته لأبها، وهو يرمي من ذلك إلى تزيين المدينة لتكون “أبها مدينة الألوان”، والتي عرف عن سكانها اهتمامهم بصبغ منازلهم بألوان زاهية تعرف بما يسمى بـ”القط” والذي أصبح اليوم معلماً دولياً بعد وصوله لردهات الأمم المتحدة.

وهذا مشروع قرية المفتاحة التشكيلية التي تحتضن مركز الملك فهد الثقافي؛ والذي يضم مسرح المفتاحة والمراسم والمتحف العسيري؛ وكذلك مشروع أبها الجديدة والتي تمثل قصة نجاح أخرى وبجهود ذاتية خارقة وتشكل معلماً سياحياً لأبها بشكل متطور وحديث مع المحافظة على موروثها وتراثها المعماري الأصيل والفريد، إضافة إلى التلفريك كأول مشروع وطني ينقل المصطافين والزوار بين قمم أبو خيال وذرة وقصر أبها، وآخر ينقلك في مغامرة ماتعة على منحدر هضبة الحبلة شديدة الانحدار، وثالث يربط سودة عسير بالعوص بتهامة في رحلة لا تخلو من المخاطرة والمتعة، وهنا وهناك تنتشر عشرات القرى والمتاحف التراثية لربط حاضر عسير بماضيها إثراء للمتعلم  ومتعة للمستكشف والزائر.

أما السياحة فهي عشق خالد الفيصل وقصته معها طويلة؛ لإدراكه منذ زمن أنه لا سياحة دون عشب وماء وخضرة ومرافق إيواء ووسائل مواصلات، فكانت مشروعات تحلية المياه وجلبها من الساحل لقمم السروات من على بعد مائة كيلو متر؛ ومطار حديث ومحافظة على الشجرة وأماكن ترفية وملاعب أطفال وفنادق وأدوات جذب من معارض تسوق وبطولة دولية في كرة القدم ومسرح للفنون والشعر، وجائزة أبها والمفتاحة بمثابة تكريم للرواد والرعاة والتي تحظى بالدعم والرعاية من القيادة الرشيدة، إنه صاحب الريادة السياحية عندما كان يردد كثيراً أهمية التوجه للسياحة كونها “صناعة” لا ترف وترفيه فحسب، لأن المملكة تمتلك كل مقومات السياحة المتعددة دون استثناء، وها نحن اليوم نعيش حقيقة ذلك الحلم والتوجه للسياحة كرافد من روافد التنمية وأحد البدائل الاقتصادية.

وهاهو اليوم يستكمل مسيرته الإبداعية في منطقة مكة المكرمة في كل شأن ومجال وهي ملئُ السمع والبصر؛ يقع على رأس الهرم خدمة الحاج والمعتمر الذي شرف الله الدولة بها، فسعى لتطوير آلياتهما واستثمر في الشباب بشكل لافت وتم توجيه طاقتهم للتطوع في مناشط الحج والعمرة المختلفة، واستخدم التقنية في عمليات خدمة الحجاج والمعتمرين، وأشرف على ضبط الدخول وأداء المناسك وتنقية المناطق المجاورة للحرم المكي الشريف والمشاعر المقدسة  من كل ما يعيق حركة المشاة، وهاهي شواطئ جده تعود نظيفة بعد تحسينات الكورنيش وتحويل مياه الصرف بعيداً عن البحر حرصاً على الحياة الفطرية البحرية وعلى جعل البحر عامل جذب سياحي لسكان المملكة والزوار، ومكان نزهة يومية لسكان المنطقة الغربية؛ وأعاد لسوق عكاظ وهجه الحضاري وربطه بعمقه الثقافي العربي فاستحدث البرامج والفعاليات ذات الطابع الأدبي والتراثي، وأبرز دور الشعر والشعراء والمسرح والخطباء، وكما كانت جائزة المفتاحة أمنية كل مبدع سعودي، فهاهي جائزة “عكاظ” اليوم مقصد كل مبدع عربي كما هي جائزة الملك فيصل من قبل مطمع لكل عالم أو باحث أو مفكر عالمي.

أبعاد ثلاثية، وطنية وإقليمية وعالمية، ربطت العالم ببعض على الرغم من الاختلافات الدينية والسياسية والعرقية واللغوية، لا يمكن لها أن تكون كذلك بمحض الصدفة، إنه الفكر النّير والجهود الحثيثة دون كلل أو ملل لإبراز قيم ديننا ومعالم حضارتنا ومخزون تراثنا عملياً للعالم بكل فخر واعتزاز، إنها بصمات الغيرة الدينية والإحساس بالوطنية وتقدير حجم المسؤولية،إنها عادة القادة والرواد المبدعين الذين لا يرضون إلا بالمركز الأول.

لقد كان وما زال مهتماً بالشباب ورعاية إبداعاتهم في كافة المجالات، و لقد أتاح الفرصة للكثير منهم لخدمة دينهم ووطنهم بروح لا تعرف اليأس أو الملل، وعُرف بمحاربته منذ عقود للفكر الضال والمنحرف، وعُلم حرصه على الوسطية والاعتدال، حتى أُنشأ كرسي باسم سموه بهذا المسمى ويجري تحويله اليوم لمركز للوسطية والاعتدال، هذا المبدأ القويم الذي يعتبر منهاج دولتنا، ويترجم الحرص على هذا الدين العظيم والولاء لله وامتثال قيمنا السامية وأخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق الانتماء لوطننا وقيادتنا الرشيدة السديدة.

والمجال لا يتسع لسرد كل مبادرات سموه فهي أكثر من أن تعد وتحصى، فمنها الدولية والعربية بدءاً بجائزة الملك فيصل العالمية، مروراً بدورة الخليج، وصولاً لمؤسسة الفكر العربي وغيرها، فأينما يذهب يترك أثراً عميقاً في الأماكن، وفي النفوس، من الصعب أن يزول مع تعاقب الأيام والليالي.

وغنيٌّ عن القول أن  الدعم المعنوي والمادي اللامحدود الذي حصلت عليه المنطقة من حكومتنا الرشيدة كان بعد عون الله بمثابة الطاقة التي دعمت سموه بتنفيذ تلك المشروعات والمبادرات. وأنا أتحدث هنا عن خالد الفيصل كوني شاهد عيان من منطقة شرفت به لخدمتها لنحو أربعة عقود، منطقة نشأتُ بها وعرفتها طفلاً ألهو في طرقاتها الضيقة واستمتع بهوائها العليل وعشقت سكون ليلها ونسماته ورأيت وسمعت وعايشت عن قرب مبادرات خالد الفيصل، وأقول لسموه بعد مقالته الأخيرة “قِبلة وقدوة” لقد أبدعت أبا بندر في مسيرتك الخمسينية، ولقد استثمرت كل دعم من الدولة في مكانه، ووظفت قدراتك القيادية ورؤيتك الوثابة وترجمت أحلامك إلى واقع معاش بشكل يدعوا للفخر والاعتزاز فكنت خير قدوة، وحفزت رجال الأعمال للإسهام في التنمية، ونفذت مهام عملك بمهنية واحترافية اتساقاً وانسجاماً مع الأنظمة المعمول بها، شأنك في ذلك شأن من جاء قبلك وبعدك من أسرة آل سعود الكريمة التي لها منا ومن أبائنا وأبنائنا بيعة وفي أعناقنا قسم ولاء وطاعة في غير معصية الله.

ولقد صدقت واختصرت فكون بلدنا “قِبلة” المسلمين فيلزمنا أن نكون “قدوة” لهم، وكما اعتمدت على الشباب وفجرت طاقاتهم وإبداعاتهم وأثبتوا وجودهم في كل مكان تم توجيههم له، فهم عتاد الوطن وعماده وهم النواة والقدوة وبذور رسالة السلام وحصاد وثمار المستقبل الواعد بحول الله.

 

 

*عضو مجلس الشورى

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة