أيهما أهم.. المشروع الثقافي أم الاقتصادي!؟ | صحيفة المناطق الإلكترونية
الاثنين, 23 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 11 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

أيهما أهم.. المشروع الثقافي أم الاقتصادي!؟

أيهما أهم.. المشروع الثقافي أم الاقتصادي!؟
*د.صالح المسند

الثقافة بمعناها البسيط هي بناء الإنسان ليكون مواطنًا صالحًا وسطيًا في تدينه ومعتدلاً في أفكاره ومعتزًا بهويته وعروبته ومتسامحًا مع الآخر ومنفتحًا على الثقافات العالمية. فالثقافة تعنى ببناء الإنسان في فكره وعقله وسلوكه وتصرفاته وعلاقاته مع غيره في الداخل والخارج. وبهذا المعنى، تلعب الثقافة دورًا بارزًا في نجاح خطط التنمية بمشاريعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تحقيق أهدافها وغاياتها في كل ما فيه مصلحة الوطن والناس. وقد لا نبالغ إن قلنا أن الثقافة هي أساس كل مشاريع التنمية وعاملاً مهمًا في نجاحها. وقد استبشر المواطنون بكافة أطيافهم ومستوياتهم الفكرية والتعليمية بصدور الأمر السامي الكريم بإنشاء الهيئة العامة للثقافة لاستشعارهم أهمية الثقافة في حياتهم اليومية وأدائهم لأعمالهم وواجباتهم تجاه الوطن ودورهم الحضاري وتفاعلهم على المستوى العالمي. وبما أنه هناك تقاطع في الأهداف والغايات بين نشاطات الهيئة العامة للثقافة وبين نشاطات المؤسسات الإعلامية، وهيئة السياحة والآثار، والهيئة العامة للترفية؛ ما يستدعي وجود تنظيم لهذه النشاطات يرعاه المجلس الأعلى للاقتصاد والتنمية وفق خطة استراتيجية لكل واحدة من هذه المؤسسات.

ولإنجاح المشروع الثقافي في المملكة فهناك أدوات يلزم تفعيلها وقيامها بأدوار وظائف في غاية الأهمية، وعلى رأس هذه الأدوات المكتبات العامة والأندية الأدبية والمتاحف وواحات المعرفة ومراكز الأحياء. ويبلغ عدد المكتبات العامة (86) مكتبة في كافة المدن والمحافظات. وقد أقر مشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير هذه المكتبات واعتمدت له المبالغ المالية للسنوات الخمس الأولى، ومن المناسب أن يكون هذا المشروع أول مشاريع التطوير التي يمكن أن تتبناها الهيئة. والمكتبة العامة هي القلب النابض في المجتمع المحيط بها ثقافيًا ومعرفيًا وتربويًا واجتماعيًا، وتكمل دور المدرسة في التعليم مدى الحياة. كما أننا نقترح توسيع أهداف الأندية الأدبية لتشمل الثقافة بمفهومها الواسع بدلاً من اقتصارها على الشأن الأدبي فقط. وهذا التغيير سيتيح للهيئة العامة الثقافة مؤسسات قائمة لنشر المعرفة بجميع أشكالها؛ خاصة المعرفة العلمية. ولا يخفى على أحد أهمية المتاحف العامة والمتخصصة في نشر الثقافة العلمية والتاريخية ذات العلاقة بالوطن ومنجزاته الحضارية. أما واحات العلوم فهي مراكز علمية يحتاجها الشباب والأطفال في تبسيط النظريات العلمية والمفاهيم المتخصصة وفي مواكبة التطورات العلمية والتقنية. ولعل التوسع في إنشاء هذه المراكز من قبل الهيئة أو بتشجيع مساهمات القطاع الخاص مطلوب ليشمل جميع مناطق المملكة.

وهناك حاجة أيضًا إلى مشروع لدعم أدب الأطفال والشباب؛ حيث ما ينتج عربيًا في هذا المجال لا يرقى إلى المستوى الفكري المطلوب ولا يعالج القضايا التي تحفز الإبداع والانطلاق نـحو المستقبل المنشود. ويشمل أدب الأطفال والشباب كل الإنتاج الفكري والمعرفي والفني الموجه إلى هذه الفئة العريضة والتي يعول عليها إنجاح مشروع التحول 2030 بقيم راسخة وفكر بناء ومهارات علمية وتقنية راقية.

أما على الصعيد الخارجي، فتلعب الثقافة دورًا مهمًا في التعريف بإنسان هذه الأرض وحضارته ومنجزاته في الماضي والحاضر. وكون المملكة تحتضن الحرمين الشريفين وتملك قوة اقتصادية عالمية فهي قبلة المسلمين ومحط أنظار العالم، وهذا يفرض علينا القيام بأنشطة ثقافية دولية من خلال المشاركة في المعارض المهرجانات الدولية، وإنشاء مؤسسات ثقافية في الدول المؤثرة، وإقامة علاقات تبادل ثقافي مع جميع دول العالم. وعلى ملحقيات الثقافية في سفارتنا في الخارج في المرحلة القادمة واجبات يجب أن تضطلع بها كونها حلقة وصل بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحوث في الداخل ونظيراتها في الخارج. وللمملكة تجارب ناجحة في هذا المجال؛ فلمكتبة الملك عبدالعزيز العامة فرعان: أحدهما في المغرب والآخر قيد الإنشاء في العاصمة الصينية بكين. كما نظمت المكتبة بالتعاون مع الجهات المعنية معرضين ناجحين للحج: الأول في لندن والآخر في باريس. وقد حظي المعرضان باهتمام أعلى القيادات في بريطانيا وفرنسا وحضور لافت. وسيكون للتوسع في الأنشطة الثقافية الخارجية أثر مهم في دحض الشبه والتهم التي تكال لثقافتنا ودولتنا، لأنها ستصل إلى الإنسان العادي مباشرة بلغة يفهمها ويستوعبها ببساطة. نسأل الله التوفيق لقادتنا في كل ما هو في صالح الوطن والمواطن.

*مدير مشروع الفهرس العربى الموحد والمكتبة الرقمية.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة