مؤسسة لمنع الإدمان | صحيفة المناطق الإلكترونية
الثلاثاء, 4 صفر 1439 هجريا, الموافق 24 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

مؤسسة لمنع الإدمان

مؤسسة لمنع الإدمان
د.أحمد آل مفرح*

ورد في معجم المعاني الجامع أن الإدمان يعني طبياً “سوء استعمال المواد الكيمائيّة ممّا يؤدِّي إلى التعوّد والإدمان، كما يصبح الجسمُ عاجزًا عن الاستغناء عنها”، ويعني بشكل عام “أدام فعله ولازمه ولم يقلع عنه”، من هنا فإن ملازمة فعل شيء معين والمداومة عليه وصعوبة تركه يؤدي بالشخص للإدمان أياً كان، قبيحاً أو حسناً، أو قل سلبياً أو إيجابياً، فيقال فلان مدمن مخدرات أي معتمد ومقيم عليها دون انقطاع ولا يستغني عنها، وفلان مدمن قراءة ولا يستطيع أن يتمالك نفسه عندما يرى كتاباً جديداً دون الحصول عليه وقراءته، وقد يشغله هذا الإدمان عن أمور مهمة أكثر أهمية في حياته، غير أن مفهومنا للكلمة دوما ما يذهب إلى الإدمان السلبي أو القبيح، وهو ما يعنينا هنا.

والإدمان أنواع لعل من أبرزها؛ الإدمان التقني، وإدمان الطعام، وإدمان المخدرات، وإدمان المسكرات، وإدمان التدخين، وإدمان الأفلام الإباحية، وغيرها وما يتفرع عنها، ولكل نوع أدواته وأشكاله، فالتقني يشمل الأجهزة الالكترونية بكافة أنواعها، وبرامج التواصل، والانترنت بشموليته؛ والطعام يتمثل في أنواع الأطعمة وما تحتويه من دهون وأصباغ وملونات وسكريات ووجبات سريعة ومشروبات، أما المخدر فيشمل الحبوب والحقن والمشموم، والمسكر وما يتمثل في الخمور والمشروبات الكحولية، والتدخين ويشمل الجراك (المعسل) والسيجار والسجائر بأنواعها، وأما الأفلام فتشمل كل ما يخدش الحياء ويثير الغرائز من مشاهد أو مسموع سواء كانت عبارات تلقى أو مواقف مرئية تجسد وتدعوا إلى ممارسة الرذيلة.

ولو أمعنا النظر في الأضرار المترتبة على كل صنف لوجدنا أن كل واحد منها يختص بتلف أو تعطل حاسة أو أكثر من حواس الجسم، وقد يجتمع أكثر من صنف لتلف حاسة واحدة في آن واحد؛ فالإدمان التقني يؤثر على البصر والسمع والذهن، وإدمان الطعام يؤثر على الأعضاء الحيوية في الجسم جراء ضغط الوزن الزائد والسمنة على البطن، وإدمان المخدرات يؤثر على المخ، وإدمان الخمور يؤثر على الكبد، والتدخين يؤثر على اللسان والرئتين، والأفلام الإباحية تؤثر على الحياء وانطلاق النفس وبها يتكون استمراء المحرمات.

إنه استحواذ كامل على الإنسان من كل جهة وصوب، وأعمال شيطانية نجحت في ضرب الشباب في مقتل، فلا فكاك من أي منها إلا من عصمه الله، فما بالك إذا اجتمع أكثر من إدمان في شخص واحد، أي أثر سلبي سيحدث في حياته؟!. إن جميع أصناف الإدمان تشترك جميعاً في جلب الأمراض، وفي ضياع المال، وفي هدر الأوقات فيما يضر ولا ينفع، وأي ضياع أكبر من ذلك!. 

 إن ما نسمع من قتل وعنف وبيع أعراض جاءت نتيجة لهذا الداء الشيطاني المدمر الذي فتك بالمجتمعات، فعطّل التنمية، وهدد الموارد البشرية، واستنزف الموارد المالية، وضغط على المصحات والمستشفيات، وهز موازنات الدول بشكل لافت، لقد زعزع الإدمان وبشكل مريب الاستقرار الأسري والمجتمعي الفاضل النقي، وغرس عوضاً عن ذلك نبتات الشذوذ والتطرف والغلو والعقوق والتشرد والسلوك المشين، إنه بمثابة حرب شاملة.

لقد تلقف المغرضون ودعاة الرذائل شبابنا في زهرة أعمارهم، في غفلة منا، واقتادوهم للإدمان بشيء يسير، وعلى فترات حتى تغشوا كل أصنافه وبكل شراهة، وعندما بلغوا ذلك المبلغ الذي لا عودة منه إلا بكفارة كبيرة، استدرجوهم في أعراضهم وأنفسهم، ذلك من غير أموالهم حتى ولو بالسرقة لتوفير المبالغ للجرعة أياً كانت ملوثة أو مسمومة!، ومن ثم بدأت معهم رحلة العودة، التي لن تكون إلا بتضحية وفداء عظيم يتساوى مع الجرائم التي اقترفها ذلك الغض الطري، فيلهبون في نفسه المندفعة جذوة الشعور بالذنب والخطيئة، وهنا لا مجال إلا بدفع الثمن للتوبة ولنيل رضا الله، فالجزاء مختلف ولكن الأجر يستحق التضحية، إنها الجنة، والحور العين!. فألبسوهم أحزمة ناسفة، أو حملوهم آلات حادة، ثم غرسوا في أدمغتهم المشلولة أجهزة تحكم فعالة لا ترد أمر آمر، ولا يتردد المذنب أمام الضحية مهما كانت، أم، أو أخت، أو أب ، أو إمام مسجد، أو عابد ومصلي، أو رجل أمن، أو أطفال أو شيوخ!؛ لقد تساوى كل أولئك في نظره، فجميعهم كفار وقد حان وقت الحصاد للتخلص منهم ، وانتزاع جراء ذلك بطاقة الفوز بالجنة والنعيم المقيم، وتكفير تلك المعاصي والذنوب!.  

إن الإدمان بكافة أشكاله يحتاج لمواجهة أقوى وأشد، ولا يستهان بأي منها، فكل منها له أضراره وارتباطه الوثيق بغيره، أدرك حجم الجهود المبذولة على الساحة في المملكة، غير أن الهجمة والحرب شرسة وضروس ضد شبابنا، ودور الجهات الأمنية لمتابعة وضبط المخدرات مميز والعقوبات ضد المهربين والمروجين رائعة ولكنها لن تحد من الظاهرة مادام هناك زبائن ومروجين محترفين!، ومع كل ذلك لابد أن تكون جهود التوعية والتثقيف والعلاج تتساوى وهذه الهجمات والأصناف المختلفة، لقد رفعنا من تسعيرة علبة السجائر، ولدينا جمعيات مميزة تعمل لدرء هذا الداء، وعدة برامج توعية منفذة، ولكن هل تقلص أعداد المدخنين من الجنسين؟، لماذا؟، ولقد راقبنا برامج الانترنت وحجبنا مواقع إباحية كثيرة، الم تخترق تلك المواقع وتخرق هي أجهزتنا الذكية بشكل يومي!، لقد طورنا من برامج مكافحة المخدرات، فكم هي الحالات التي لازالت تنتظر العلاج، وكم هي الحالات الجديدة، وما مدى فاعلية برامجها التوعوية؟، لقد أوجدنا عيادات لمكافحة السمنة والوزن الزائد، ولكن لم نعمل على ما يحد من الترخيص للطعام الغير صحي من مشروب ومأكول!.

إننا بحاجة للفتة سريعة وحازمة لموضوع الإدمان بشمولية أكبر، ولا أجد مفراًّ من إيجاد مؤسسة عامة مستقلة لمحاربته علمياً والتوعية بأضراره وعلاج المدمن بشكل كامل بعيداً عن التسويف أو التقليل من حجم الداء، وبعيداً كذلك عن التنظير الذي استهلك الجهود واستنزف الموارد في اللجان والجمعيات الوطنية. نحتاج لمؤسسة صاحبة قرار وشخصية اعتبارية، تضع سياسات عامة للوقوف بصلابة ضد الإدمان وسيله الهادر، وتضع آليات العمل، ولها حضورها الدولي المرن للاستفادة من تجارب الآخرين وتوطين ما يصلح ويناسب مجتمعنا، مؤسسة تستطيع أن تحول الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات لواقع فعلي معاش، بعيداً عن تنازع الاختصاص مع جهات عدة، وتخفض العبء عن الجهات الأمنية التي يبقى لديها المتابعة والضبط والعقوبات وكفى بها من مسؤولية عظيمة.

مقترح المؤسسة كان فحوى توصية قمت بتقديمها للجنة الأمنية بمجلس الشورى، التي رحبت بها ودعمتها، ووافق المجلس عليها،  أتمنى أن ترى هذه المؤسسة النور، أهلية كانت أم حكومية.

إن القطاع الخاص شريك وله مبادرات رائعة في هذا المضمار غير إنه يحتاج لتعزيز ثقته في أن ما يخصصه يذهب فعلياً لفائدة المتضررين من الإدمان وأسرهم، ولا يذهب مخصصات أو مدفوعات لسفريات الفرق التي لا زالت تتعرف على تجارب العالم، بينما العالم بين أيديها على الشبكة العنكبوتية، وفي تقارير عشرات الندوات والمؤتمرات والدراسات والبحوث التي نفذت في المملكة في هذا الشأن، فهل نسمع ما يثلج صدورنا نحو استئصال الإدمان والتقليل من أضراره ، فلا أغلى من شباب الوطن!.

*عضو مجلس الشورى

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة