إلى الكونغرس.. خطة اللعبة “سعودية” | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأحد, 29 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 17 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

إلى الكونغرس.. خطة اللعبة “سعودية”

إلى الكونغرس.. خطة اللعبة “سعودية”
محمد بن دوسري العسيري*

انتهك “الكونجرس” الأمريكي ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي انتهاكاً صارخاً وأخلّ إخلالا جسيماً بمبادئ العلاقات الدولية وأعرافها وهدد “الكونجرس” بموافقته على مشروع قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” حقوق الدول في السيادة الوطنية، فهو يعكس روح التعالي والعجرفة والفكر الاستعماري القديم والمقيت الذي منح دولاً بعينها ورعاياها بأشخاصهم حقوقاً ومميزات لا يستحقونها عندما يميزهم عن باقي دول وشعوب العالم، وليس من اللائق ولا المتوقع أن يصدر مثل هذا القانون بعد خمسة عشر عاماً من أحداث 11 سبتمبر ليسمح لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة الحكومة السعودية.

إن حمّى الانتخابات الأمريكية التي أوشكت على البدء و”المغازلة” الرخيصة للناخب الأمريكي دون حساب للسوابق الدولية الخطيرة، والنظر للعواقب الدولية الوخيمة التي ستتبع هذا القانون هي ما جعل “الكونجرس” يبحث عن أسباب تدعم توجهاته وما يريد تحقيقه على طاولة الانتخابات الأمريكية، حيث يريد الجمهوريين إبراز الرئيس ليكون شخصية ضعيفة، حتى يصوت الأمريكيون للمرشح الجمهوري “دونالد ترامب” بدلاً من “هيلاري كلينتون”، وهي وسيلة للوصول لدعوة مبطنة للناخبين لكي يصوّتوا لكونغرس يستطيع مواجهة الرئيس الديمقراطي لو تم انتخاب “هيلاري كلينتون” وأصبحت رئيسة في يناير 2017م.

وقد توالت ردود الأفعال العربية والدولية حول قرار الكونغرس، حيث سجلت رابطة العالم الإسلامي والهيئة العالمية للعلماء المسلمين موقفاً رافضاً وصرحتا بقلقهما جراء هذا التشريع لمخالفته الواضحة والصريحة لميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي، وتلتهما في ذلك جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ودولاً عربية وإسلامية أجمعت على تجاوز هذا القرار لأعراف القانون الدولي وسيادة الدول وحقوقها.

 

هذا القانون في حال إقراره سيكون وسيلة لتقويض علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع المملكة العربية السعودية، لأنه حتماً سيضر بمصالح أمريكا، وسيكون أثره سيئاً على مصالح الأمن القومي الأمريكي، وعلاقاتها بالشرق الأوسط وأوروبا ومكانتها في جميع أنحاء العالم، وسينهي بشكل تام حمايات الحصانة السياسية والتي تعتمد عليها الولايات المتحدة وجميع الدول ذات السيادة، وسيضر قوات ودبلوماسييي وجميع موظفي الحكومة الأميركية العاملين بالخارج، حيث من المتوقع أن يخضعون لدعاوى قضائية في بلدان أُخرى، وسيؤثر سلباً على أمن وسلامة الدبلوماسيين ومكاتب الاستخبارات والجيش وكبار مسؤولي الحكومة الأميركية وقدرتهم على أداء واجباتهم بدون تأثير أو تدخل خارجي، وقد يتسبب في حرمانهم حصاناتهم الدولية التي قبلتها جميع الأمم المتحضرة منذ القرن السادس عشر وما قبله، وستتعرض مصالح الأمن القومي الأمريكي ودورها القيادي في العالم لخطر غير متوقع بعد تأثير هذا القانون على مسؤولي الولايات المتحدة في الخارج.

هذا الأمر يتوافق مع نص الخطاب المفتوح الذي وجهه عدد من المسؤولين الأمريكان إلى الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” وأعضاء الكونغرس والذي أشاروا فيه إلى أنه لا يوجد أي دليل على تورط السعودية بأحداث 11 سبتمبر، وقالوا حرفياً:

“نحن متعاطفون مع ضحايا الحادي عشر من سبتمبر وعوائلهم، لكن هذا القانون لن يساعدهم، ولا يوجد أي دليل موثق يشير لتورط المملكة العربية السعودية في هذه المأساة، وسيكون التأثير الوحيد لهذا القانون هو تشجيع نقابة المحامين على استخراج تسويات من الدول ذات السيادة بناء على الكشف العلني المحتمل لاتصالات دبلوماسية سرية ومتعلقة بالأمن القومي، والضرر الذي سيسببه هذا القانون للولايات المتحدة سيكون هائلًا وطويل الأمد، إضافة إلى أن سنّ قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب سيقوّض علاقتنا بالتأكيد مع أحد أهم حلفائنا؛ المملكة العربية السعودية، كما سيدمر علاقتنا بكل الشرق الأوسط، فتحالفنا الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية قد شكل العنصر الأساسي للعمارة الجيوسياسية في الشرق الأوسط الحديث، ومع مرور الوقت أصبحت المملكة أحد أهم شركاء واشنطن الموثوقين في مكافحة الإرهاب على مستوى العالم عالمياً وإقليمياً، بما في ذلك السعي والملاحقة المتواصلة للكيانات الخاصة التي تمول رعاة الإرهاب”..

وأضافوا في خطابهم: “لقد ثبّت السعوديون قيمة الريال للدولار لسنوات بتكلفة كبيرة عليهم، فلقد كانوا وما زالوا مستعدين لدفع مبالغ هائلة لخفض احتياطيات الدولار من أجل تحالفهم مع الولايات المتحدة، ولكن إذا رأوا أنا لم نعد نقدّر التحالف بقدر تقديرهم له، فسيستنتجون مباشرة أن ربط الريال بالدولار لم يعد ذا فائدة استراتيجية، ومثل هذا التطور بالطبع سيقلل من قيمة الدولار في أسواق العملات العالمية، وسيمتد الأمر حتماً ليؤثر على علاقات حيوية للولايات المتحدة وراء علاقاتها بالشرق الأوسط، فلقد سجل شركاء أوروبيون أساسيون في الحرب ضد الإرهاب قلقهم في الأسابيع الأخيرة، وقد أعربت بعض الحكومات الأوروبية بالفعل عن نواياها لسن نسخهم الخاصة من قانون العدالة ضد ممولي الإرهاب إذا ما تم تطبيق القانون الأميركي، وهذا ما سيعرّض مسؤولين أمريكيين للظهور القانوني في محاكمها، إذا حرضت حكومتنا الدول الأجنبية لسن نسخهم الخاصة من قانون العدالة ضد الإرهاب، فإن الولايات المتحدة ستدير شؤونها في العالم بيدين مقيدين”.

ولا أعتقد هنا أن الكونغرس لم ينظر إلى هذا الأمر، فمن المؤكد بالطبع أن كل الدول الأخرى التي ستتضرر من هذا القانون ستقوم باستخدام ذات القانون ذريعة لجر دبلوماسيين أو جنود أميركيين أو حتى شركات أمريكية إلى المحاكم في أنحاء العالم، ونحن نعلم جميعاً أن الولايات المتحدة الأمريكية ضليعة في معظم قضايا الإرهاب في العالم، وبالذات في الشرق الأوسط، فتنظيم القاعدة كان يوماً ما أحد أذرع القوات الأمريكية في أفغانستان وانتقل للشرق الأوسط وإلى المملكة العربية السعودية تحدياً، ثم استعاضت عن القاعدة بتنظيم داعش الإرهابي، ولن نغفل الغزو الأمريكي غير الشرعي للعراق 2003م، وما سبق ذلك من فظائع وجرائم في حق الإنسانية كما حدث في سجن أبو غريب، وغيرها من القضايا التي تدفعها الحكومة الأمريكية لأسباب مختلفة تضمن تواجدها على خريطة الشرق الأوسط، ونفوذها الدولي، والذي يبدو أن تشريع مثل هذا القانون سيجعلها تحت مقصلة المحاسبة والمطالبة الدولية بنفس النظام الذي فرضته وأقرته في لحظة تهوّر فرضتها مصالح طاولة الانتخابات الأمريكية.

وهذا ما تنبه له بعض أعضاء الكونغرس الذين بدأوا في تعديل مواقفهم بعد أن علموا أن كسر “فيتو” الرئيس ستكون له مضاعفات عديدة، وخاصة أن هناك ثغرة قانونية في القانون ستسمح للإدارة بمنع المحاكمات عن مسؤولين أمريكيين حول العالم.

تغريده: اللعبة السياسية الأمريكية اعتادت “سابقاً” على أن يكون الشرق الأوسط مساحة تنفذ على أرضه خططها وهي ترمي بالكرة في كل مرة باتجاه مختلف، فيما العرب يديرون رؤوسهم في نفس الاتجاه، إلا أن الرئيس “أوباما” قد استوعب بأن أصول اللعبة قد تغيرت، وأن خطتها أصبحت “سعودية”، ورأى أنه ملزم بالسير وفق الخطة الجديدة، فهل سيدرك “ترامب” و “هيلاري” ذلك في قادم الأيام..!؟

 

*رئيس تحرير صحيفة وجوال المناطق

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة