قانون جاستا..الغطرسة الأمريكية | صحيفة المناطق الإلكترونية
السبت, 28 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 16 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

قانون جاستا..الغطرسة الأمريكية

قانون جاستا..الغطرسة الأمريكية
د. علي الشهري

يوماً بعد آخر يتضح للجميع أن الإمبراطورية العظيمة ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية التي عاشت لعقود طويلة متربعة على عرش القوة العسكرية والاقتصادية آخذة بالانهيار والضعف التدريجي، سواء من ناحية تراجع قوتها وتأثيرها في القضايا الدولية، أو من ناحية الإدارات الضعيفة وغير المتمرسة التي أصبحت تتعاقب على حكمها، وقد اتضح ذلك بوصول الرئيس باراك أوباما إلى السلطة والذي لم يشهد تاريخ أمريكا حاكماً اتصف بالجبن والتردد كما حدث مع هذا الرئيس، في ظل الانتخابات الأمريكية الجديدة التي ترشح لها شخصين لم يكونا ليختلفان عن “أوباما” الشيء الكثير وهما “هيلاري كلينتون” و “دونالد ترامب”.

وقد اتضح مع صدور قانون “جاستا” بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا القانون قد كشف عن وجه أمريكا الحقيقي، وهو الوجه الابتزازي مغلفاً بالغطرسة والبلطجة السافرة والتي أرادت الولايات المتحدة من خلاله أن تُنعش اقتصادها وترضي جشعها من خلال ابتزاز العديد من البلدان وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وهو ما يُعد سابقة خطيرة في القانون الدولي، وذلك حينما يسمح قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” بالنظر في قضايا تتعلق بـمطالبات ضد أي دولة أجنبية ترتبط بعمل “إرهابي”.

وصدور هذا القانون في هذا التوقيت بالذات الذي تمر به المنطقة العربية والظروف السياسية والأمنية المتغيرة له دلالته الكبيرة والخطيرة، إذ إنه يفتح الباب واسعاً على العديد من الاحتمالات والتأويلات والمرتبط جُلّها بالتوجهات المستقبلية للإدارة الأمريكية وإداراتها المستقبلية تجاه المحيط الإقليمي خاصة بعد أن أصبح واضحاً للجميع التقارب الأمريكي الإيراني وخاصة بعد الاتفاق النووي مع إيران والذي أعطى إيران ضوءاً أخضر لإطلاق يدها في المنطقة العربية ومحاولاتها زعزعة الأمن الوطني العربي بأي وسيلة كانت، ويدل على ذلك تغاضي الولايات المتحدة عن الوجود الإيراني في سوريا، وابتلاعها للعراق، وتحركاتها وأنشطتها في اليمن التي تعتبر بمثابة الخاصرة الرخوة للمملكة العربية السعودية.

ومن المعلوم أن المملكة لا زالت إلى اليوم تقود عاصفة الحزم في اليمن، وما يترتب على العمليات العسكرية هناك من نفقات مالية كبيرة جداً، في ظل انخفاض أسعار النفط، وما يترتب على ذلك من ضغوط مالية على المملكة، في ظل هذه الظروف جاء قانون “جاستا” الذي يعطي الحق لأسر ضحايا أحداث 11 سبتمبر من عام 2001م بمقاضاة دول أجنبية في قضايا (الإرهاب) سواء ما يتعلق بمن قضوا في تلك الأحداث أو الإصابات أو الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالولايات المتحدة الأمريكية جراء هذا الحادث الذي أدانته المملكة العربية السعودية بأشد أنواع الإدانات.  

ومن السذاجة الاعتقاد بأن الرئيس الأمريكي الحالي (باراك أوباما) قد تفاجأ بنقض الكونغرس للفيتو الذي استخدمه ضد القرار ، فهو يعرف ويُدرك أن هذا القرار (الفيتو) سوف يتم نقضه وعليه.. فما ذلك إلا من باب ذر الرماد في العيون، وإيهام الدول التي يمكن أن تتضرر من هذا القرار بأنه فعل ما يمكن أن يفعله وفاء منه لتلك الدول التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقات قوية وتاريخية ممتدة مثل السعودية.

ووفقاً للمادة (4) من القانون فإنه تم بشكل عام تعديل الفصل (2333) من المادة (18) من القانون الأمريكي الخاصة بالحصانة السيادية للدول الأجنبية بإضافة النص التالي “يؤثر التعديل الذي تم في هذه المادة على حصانة الدول الأجنبية تحت أي قانون آخر، وذلك حسب تعريف هذا التعبير الوارد بالمادة 1603 من الباب (28) من القانون الأمريكي.

ولا شك بأن الدلالات القانونية المتعلقة بهذا القرار تفتح الباب واسعاً على الكثير من الإجراءات وردود الأفعال الدولية التي ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية مواجهتها وفي مقدمتها مقاضاتها على جرائمها التي ارتكبتها عبر تاريخها الطويل بحق العديد من الدول والشعوب ابتداء من اليابان، فأفغانستان ، فالعراق، وسكوتها المخزي عما يجري في سوريا من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وحرب الإبادة التي تقوم بها روسيا وإيران ضد المعارضة المسلحة هناك.

كما أن هذا القرار سوف يضر بالعلاقات السعودية الأمريكية أيما إضرار، فدولة بحجم المملكة وقدراتها الاقتصادية واستثماراتها في أمريكا، وأصولها المصرفية، بالإضافة إلى ديونها المترتبة على الخزانة الأمريكية والتي تُقدر بمليارات الدولارات، كل هذه العوامل سوف يكون لها عواقب وخيمة على الولايات المتحدة في حال تم إنفاذ القرار، هذا بالإضافة إلى الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها المملكة كرد فعل على هذا القانون، ومن بين تلك الإجراءات:

 1- من المعلوم أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية كبير جداً وسوف تتضرر أمريكا كثيراً إذا انفصمت عرى هذا التعاون أو قلصت المملكة منه.

2- انسحابها المملكة من التحالف الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم داعش.

3- أمام المملكة العديد من الخيارات فيما يتعلق بعلاقاتها الدولية من قبيل التوجه نحو الصين أو روسيا أو غيرها من القوى الكبرى في العالم، وأن تفك ارتباطها بالدولار الأمريكي.

4- أن تقوم المملكة بسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يمثل ضربة كبيرة لاقتصادها في ظل الركود الاقتصادي والتراجع المالي الذي تعاني منه أمريكا.

5- المملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر دولة خليجية يمكن لها أن تؤثر بشكل كبير على هذه الدول بإقناعها بتقليص تعاملاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب من جهة أو من النواحي الاقتصادية المتعلقة بالاستثمارات الخليجية هناك، والأرصدة البنكية، والأصول والمستندات والمشاريع المشتركة وغيرها مما قد يضر بالاقتصاد الأمريكي إضراراً كبيراً.

وعلى الرغم من جميع ما تقدم فإن حكمة المملكة في التعامل مع هذا القانون جاءت من خلال تصريحها المتوازن بأن القانون يُشكل مصدر قلقٍ كبيرٍ للدول التي تعترض على مبدأ إضعاف الحصانة السيادية، باعتباره المبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين.

وأختم مقالتي هذه بما ورد على لسان صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن نايف الذي قال من أنقرة خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا: إن الاستهداف واضح ولا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصّن أنفسنا قدر الإمكان.

 

*مستشار وزارة العدل 

 

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة