تجربتي الشورية | صحيفة المناطق الإلكترونية
الجمعة, 2 شعبان 1438 هجريا, الموافق 28 أبريل 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

تجربتي الشورية

تجربتي الشورية
د.أحمد بن سعد آل مفرح
من يقع عليه الإختيار ليكون عضواً في مجلس الشورى، يشعر بتقدير قيادة الدولة له والتفاتها لجهوده ومسيرته المهنية والعملية والوظيفية والاجتماعية، فيدرك أن هناك من يقدر ويثمن تلك الجهود، وأن هناك من يختار ويمحص ويحرص على أن يتم تمثيل كل شبر من الوطن في تشكلية المجلس باحترافية عالية!.
إنه فخر واعتزاز أن كان أسمي ضمن تشكيلة الدورة الرابعة للمجلس، وقد اختلطت مشاعري حينها حيث كنت مقبلاً على تنفيذ مشروعات مهنية في مجال عملي بوزارة التربية والتعليم، وهاهي فرصة ذهبية سانحة ونداء وطني سامي حل ببابي، ولا مجال للاعتذار أو للتردد؛ وبدون شك فإنه من يقع عليه الاختيار يجب عليه أن يزيد معه العطاء ويبرز الحضور وتتعاظم المسؤولية بحكم هذا التكليف، فلا يمكن أن يكون العضو تحت القبة إلا بعد أداء القسم؛ وما أعظمه من قسم وما أثقلها من أمانة؛ أديت القسم الأول أمام الملك فهد يرحمه الله، ارتعد بدني واهتزت أركانه وأنا أتلو كلمات القسم، ولك أن تتأمل كل كلمة فيه لتدرك عمق وحجم الأمانة الملقاة علينا تحت القبة، أنت تنظر للوطن من ذلك المقعد الشوري، وأنت تترك خلفك حضوض النفس وتتجاهل رغبتك الشخصية، أنت بين قامات من علماء وخبراء ومفكرين ومختصين أفذاذ، فلا مجال معهم أو بينهم لطيش العبارة ولا مكان لركاكة الأسلوب ولا تقدير لصاحب النظرة الضيقة أو الشخصية المتقلبة!، تحت القبة الشورية الوطن كله نصب عينيك، فالمواطن ينتظر صوتك لإيصال حاجاته ومعاناته، والمسؤول يخشى سهام نقدك ويبرر إخفاقات قطاعه، وزملاء مهنتك وعملك يتوقعون تمثيلاً مشرفاً منك لهم، وأسرتك تراقب تفاعلك ومشاركتك، والإعلام يرصد حركاتك وعباراتك، والقيادة تتطلع لإنجازاتك والوفاء بوعدك! كل هذه ماثلة أمامك بشكل يومي سواء كنت تراجع تقرير وزارة أو تعد لمداخلة أو تتأهب للتصويت على قرار أو تفكر في صياغة نظام جديد أو تعديل أخر نافد وفقاً للمادة الثالثة والعشرين! هذه المادة التي تعتبر بمثابة المدخل الواسع لتقديم الاقتراحات وهي بمثابة السقف الأعلى لعضو المجلس لتفعيل دوره التشريعي والبرلماني وقد استفدت منها وزملاء كثر في اقتراح العديد من الأنظمة الجديدة واقتراح تعديل على مواد بعض الأنظمة القائمة، فهي تعطي المجلس والعضو الحق التشريعي المنشود، هذا بالإضافة إلى التوصيات الإضافية التي تعطي العضو جزء من الحق الرقابي لإقتراح ما يرى حول تقارير الجهات الحكومية من القضايا التي قد تكون فات على اللجنة إدراجها ضمن توصياتها لسبب أو أخر.
إن نظام المجلس واللائحة الداخلية وقواعد العمل أتاحت مجال رحباً للعضو لممارسة مهامه، وما يلزم تطويره في هذا الشأن هو إعادة النظر في إلزامية قرارات المجلس (على المستوى الرقابي) وفقا لآلية مماثلة للمادة السابعة عشره من نظام المجلس والخاصة بالتباين حول الأنظمة بين مجلس الوزراء ومجلس الشورى (على المستوى التشريعي). يخطىء من يظن أن المجلس استراحة ماتعة أو أريكة متقاعد وثيرة أونزهة يسيرة ؛ إنه مقعد ساخن بكل ما تعنيه الكلمة، ومن ظن غير ذلك فسوف يلسعه المقعد الأزرق بتعاظم سخونته والتي قد لا تحتمل مع مرور الأيام، ثلاث دورات هي تجربتي في المجلس -بفضل الله ثم بثقة قيادة وطني- أعتبر الأولى منها محطة تعلم مكثف وإثبات وجود ممنهج، أما الثانية فهي دورة إنتاج متمرس ومدروس، والثالثة دورة نضج برلماني وترشيد فكري وروية وحكمة، تعلمت في تلك الدورات ما لا يحصى وصقلت العديد من المهارات، أطلعت على الكثير من قضايا الدولة وقدرت أمكاناتها، ولمست إبداعات الجهات الحكومية وتفهمت التحديات والمعوقات التي تواجهها، وادركت حجم التداخل والانسجام وحتى الانفصام -إن وجد- بين الجهات، وتلمست في المقابل طموح وتطلعات المواطن الذي يريد كل شيء دون النظر فيما يحول بينه وبين تلك التطلعات من معوقات والتي لا يدركها هو والتي يستطيع العضو، بحكم اطلاعه الشامل، أحياناً تلمسها غير أنه لا يمكنه ذكر بعضها أو يفصل فيها؛ تعلمت ضرورة ألا ترفع سقف التوقعات بتوصيات أو أفكار عاطفية تهدف لدغدغة مشاعر المواطن فحسب ليقال أن العضو موجود؛ وحتى لا يقع في فخ النقد الجائر أو أن يوقع الحكومة في حرج وهو يعرف وضعها من كل زاوية وجانب، فليس كل ما يعرف يقال؛ تعلمت قيمة الإنصات والإصغاء وإحترام الرأي الأخر حتى إن لم يكن ينسجم مع وجهة نظري، مرات اعزم بالتصويت بـ “لا” على توصية ما؛ وبعد المناقشة يتبين لي الأمر أكثر وتنجلي الصورة فأصوت بـ “نعم” والعكس صحيح. تتلمذت في لجان المجلس المتخصصة والخاصة وأيقنت أن العمل الحقيقي هو في اللجان، فهي مطبخ القرارات وفيها يكون العطاء وعلى طاولاتها المختلفة تطرح الرؤى وتتصارع الأفكار وتنقسم وتتفق وجهات النظر فتخرج توصيات اللجنة ناضجة مستوية يناقشها المجلس تحت القبة ويثق بها ويتبناها، وفي ذات الوقت لا تهمل اللجنة رأي الأقلية وهذا حق مكتسب لكل عضو فيشفع رأي الأقلية -إن وجد- برأي اللجنة وتطرح جميعاً على المجلس للنقاش وهو الفيصل؛ أما بتأييد اللجنة أو الأقلية وبالتصويت ينتهي الأمر؛ أنصت إلى وزراء أتوا إلى المجلس بمعاناتهم ورؤاهم وتطلعاتهم وعلمت حجم الرغبة في تحسين كل حال وتطوير كل جزء في هذا المرفق أو ذاك ، ويكون النقاش الشفاف معهم وينتج عن ذلك ما يتخذه المجلس من قرار حيال تقرير الجهة؛
لرئاسة اللجنة بالمجلس مسؤولية مختلفة، رئيسها معني بالدعوة لعقد الاجتماعات وإدارتها ومتابعة صياغة التقارير والوقوف على منبر المجلس لتقديم التقارير، ويالها من تجربة ترتعد منها ولها الفرائص، تختلف عن وقفة محاضر أو رئاسة جلسة علمية في مؤتمر علمي أو تقديم ورقة عمل في منتدى، أنت هنا تقف أمام النخبة تحت القبة بهيبتها، وأنت تحت القسم وتقدم تقرير اللجنة والذي قد تكون معارضاً لبعض ما ورد فيه، غير إنها المسؤولية! الدبلوماسية البرلمانية مجال رحب بالغ الأهمية يتم تفعيلها من خلال لجان الصداقة مع البرلمانات والمجالس النيابية في العالم، شرفت بالمشاركة في عضوية لجنتين وقمنا بزيارات عدة لدول منها اليابان وسنغافورة وإندونيسيا والأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا بالإضافة إلى مصر ولبنان وغيرها، يتم الإعداد لكل زيارة بمهنية عالية حيث يتم تحديد الجهات والمسؤولين الذين سوف يتم مقابلتهم وتحدد محاور الاجتماعات والموضوعات والقضايا التي تهم المملكة ويتم توزيع الأدوار بين الأعضاء وفقا للاختصاص والخبرة والاهتمام وبعد كل زيارة ترفع التوصيات للمقام السامي الكريم.
لمست الدور الكبير الذي تقوم به الدبلوماسية البرلمانية ومدى فاعلية اجتماعاتها ولقاءاتها مع المسؤولين في تلك الدول أثناء زيارتهم لنا أو زيارتنا لهم، ولمست المرونة وحرية التحرك التي نتمتع بها لايصال وإيضاح مواقف المملكة في الكثير من القضايا بعيداً عن الحرج السياسي الرسمي للمملكة. خدمات وإدارات المجلس على إختلافها خلية نحل تعمل لا تكل ولا تمل، فهذا مناول الأوراق وذاك مختص التقنية والتوثيق والمصور وذاك الاستشاري يشاركوننا القاعة الرئيسية في كل جلسة لخدمة الجلسة وتوفير احتياجاتها آنيا، وذاك مكتب الخدمات الذي يوفر للأعضاء خدمات متميزة في كل جهة خارج المجلس، وهذه شؤون الاعضاء والإدارة المالية والشعبة البرلمانية والعلاقات والإعلام والتطوير والمراسم والدراسات والتوثيق واستديو البث والصوتيات وغيرها تحيط بالعضو وتلبي احتياجاته. اما سكرتير العضو فهو الزميل المرافق لمدة الدورة يعمل ليل ونهار ينفذ التوجيه ويعد الأوراق ويبحث عن كل ما يساند العضو ويوفر له الوثائق والمعلومات، وبالطبع يختلفون باختلاف الخبرة والتاهيل، فشكرا لكل عامل وإداري وفني وتقني ومختص ومستشار وإعلامي ومصور في المجلس على جهودهم الرائعة، وكم كنت أود شكر كل فرد باسمه.
وختاما أشكر الله الذي سهل وأتاح لي هذه المشاركة الثرية لخدمة ديني ووطني من تحت القبة الشورية ، والشكر لقيادتنا الرشيدة التي منحتني الثقة راجيا أن أكون قد وفقت فيما كلفت به وأديت أمانة ما أقسمت عليه ، والشكر لرئاسة المجلس على الدعم وحسن التعامل واشكر كل أعضاء المجلس السابقين والحاليين، وغفر الله ورحم كل من فقدنا خلال الدورات الثلاث الماضية وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة ، ونستغفر الله من كل زلل أو إهمال أوتقصير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة