القصيبي والحمد ولعنة “العلمانية” | صحيفة المناطق الإلكترونية
الثلاثاء, 27 محرّم 1439 هجريا, الموافق 17 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

القصيبي والحمد ولعنة “العلمانية”

القصيبي والحمد ولعنة “العلمانية”
ياسر البهيجان

المفكر السعودي أيًا كان مجال نشاطه الفكري بإمكانه أن يقبل على مضض بأن يوصف بأنه “ليبرالي”، لكنه يشتاط غضبًا عندما يُقال عنه “علماني”، على رغم من أن معظم من يطلقون تلك الصفات على المفكرين في المملكة لا يدركون الفرق بين المصطلحين الوافدين من الثقافة الغربية نظرًا لقلّة اطلاعهم على المنجز الغربي والسياقات التاريخيّة والثقافية التي أفرزت هذين المفهومين العميقين.
جذور العلمانيّة تعود إلى الفلاسفة اليونان كالفيلسوف إبيقور، لكن مفهومها تحدد بدقّة في عصر الأنوار الذي شهدته أوروبا على يد مفكرين عمالقة أمثال توماس جيفرسون وفولتير. وتتأسس العلمانيّة على مبدأ رئيس يؤكّد ضرورة أن يكتفي رجال الدين بتأدية أدوارهم الدينيّة داخل دور العبادة وفي الشؤون المتصلة بالأديان، أمّا الشأن الدنيوي كالسياسة والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي فإنها بمعزل عن الرؤية الدينية، ولا يمكن – وفق وجهة نظرهم – أن تستقيم أحوال المجتمعات إلا من خلال سيادة العلم وحده دون تدخّل من أي السلطة الدينية، ومن هذا المنطلق أشارت إلى أهمية فصل الدين عن الدولة وعن سائر القضايا الحياتية.
أمّا الليبرالية فإنها فلسفة سياسية في المقام الأوّل، وتنادي بضرورة تحقيق مبدأي الحرية والمساواة في المجتمع، ومن أبرز أفكارها المطالبة بحرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية الأديان، والسوق الحر، والحقوق المدنية، والمجتمعات الديمقراطية. ويُعد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك المؤسس الحقيقي لليبراليّة بمفهومها الفلسفي الحديث، وهو القائل بأن كل إنسان يملك الحق الطبيعي في الحياة والحرية والملكية.
وفي كتابه “حتى لا تكون فتنة” وقف المفكر غازي القصيبي موقفًا صارمًا حيال وصفه بأنه “علماني”، وهو وصف صادر عن ناصر العمر – أحد رموز الصحوة في المملكة -، وكتب في أولى صفحات الكتاب “أنا لا أعرف إنسانًا يسمى ناصر العمر، ولا أذكر أني لقيته قط، أو تبادلت معه كلامًا أو سلامًا، ولذلك كانت دهشتي بالغة عندما جاءني من يقول أنه استمع إلى شريط إليه اسمه (السكينة..السكينة)، يقول فيه عن أني من العلمانيين!”.
وحشد القصيبي في كتابه آنف الذكر عشرات الآيات القرآنية الكريمة، واستشهد بأقوال الرسول الأعظم من أجل أن يبرهن للعمر وأتباع الصحوة عمومًا بأنه مسلم ولم يخرج عن دائرة الإسلام، وأن آراءه المُختلف عليها والتي أغضبت الصحويين منه كانت تستند على رؤية شرعيّة اجتهاديّة، رافضًا أن يُطلق عليه “علماني”، إذ يرى القصيبي بأن العلمانيّة تدل على الخروج عن الدين والاحتكام إلى غير ما أنزل الله، مؤكدًا بأن لم يقل ذلك قط.
القصيبي ليس المفكر السعودي الوحيد الذي رفض أن يوصف بالعلمانية، فكذلك الحال مع المفكر تركي الحمد الذي قال في حوار أجراه معه عبدالعزيز القاسم ونُشر في كتاب بعنوان “مكاشفات” ما نصه: “المقدسات هي كتاب الله وسنة رسوله، أمّا الأشياء الأخرى فقد أصبح كل فريق بما لديهم فرحون، وكل واحد يحاول أن يجعل مبادئه مقدسات ولا يجب الاقتراب منها، وقد حدث هذا في التاريخ. ابن تيمية مثلا الذي نقدس أقواله كان مُحاربًا في زمن من الأزمنة، وكان يُعد خارجًا عند بعضهم، وفي النهاية ما الذي فعلنا؟ أصبحنا نمارس الشيء نفسه مع ابن تيمية، وصار ما يقوله ابن تيمية كأنما قاله الله أو الرسول، وعندما أقول مثل ذلك يُقال لي أنت علماني!”.
خشية القصيبي والحمد وغيرهما من المفكرين السعوديين ممن وصموا بالعلمانيّة، متلازمة مع خشية تعرضهم للأذى وهدر الدم والمال، إذ يدرك المفكرين بأن المتأثرين بأولئك العلماء قد يُقدمون على فعل لا تحمد عواقبه بحجّة الدفاع عن الدين، والتاريخ العربي حافل بحوادث الاعتداء التي راح ضحيتها من وصفوا بأنهم علمانيون، ولا تزال هذه الصفة مصدر إرهاب للمفكرين من فئة لا تؤمن بمبدأ الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.

* ماجستير في النقد والنظرية

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة