مزاجية النخب.. ومبدأ التغيير !⁩ | صحيفة المناطق الإلكترونية
الاثنين, 30 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 18 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

مزاجية النخب.. ومبدأ التغيير !⁩

مزاجية النخب.. ومبدأ التغيير !⁩
فارس الغنامي*

‏مِنْ هَرَاقَ الاشْتِهَاءِ يَتَهَوَّعُ الشَّاعِرُ مَنَابِتَ العِشْقِ؛ فَتُوْلَدُ القَصِيْدَةُ وَهِيَ ضَارِيَةٌ، وَمِنْ تَشَقُّقَاتِهَا يَقْطُرُ الأَرَقُ، وَتُبَكِّرُ أَغْصَانُهَا مَوَاسِمَ الشِّعْرِ، وَيَسْبُرُ أَغْوَارَهَا الوَزْنُ ثَمِلًا، خَادِرًا مُتَشَبِّعًا بِفَصَاحَةِ الفِكْرِ، وَتُرَاقُ القَصِيْدَةُ عَلَى يَدِ عَاشِقٍ! هَكَذَا هُوَ الشَّاعِرُ المُتَهَشِّمُ بِسَقِيمِ الحَرْفِ، الَّذِي يَهْجَعُ كُلَّمَا اسْتَطْعَمَ ثَغْرَ كَلِمَاتِهِ، وَمِنْ عِطْرِ احْتِرَاقِهَا يَئِنُّ الوَرَقُ.‏
‏السَّاحَةُ الشِّعْرِيَّةُ اليَوْمَ تَحْتَضِرُ، وَهِيَ مَأْتَمٌ أَدَبِيٌّ تَتَوَغَّلُ النُّخَبُ الأَرُسْتِقْرَاطِيَّةُ بَيْنَ ثُقُوْبِهِ، وَعَلَى شَظَايَا الصَّاعِدِيْنَ تُهْتَكُ القَصِيْدَةُ بِخُدَّجِ الخَاطِرَةِ.
‏تَجَمُّعٌ يَحْتَكِرُ مَنْ يُزَاحِمُ الأَدَبَ بِلَوْنٍ أُحَادِيٍّ، إِنْ صَحَّ التَّعْبِيْرُ.
‏وَيُمَارِسُ تَغْبِيرَ هَذَا الفَنِّ الرَّاقِي مِنْ مَكَانَةٍ سَابِقَةٍ، مُتَشَبِّثٌ
‏بِهَا زَمَانُهَا لَيْسَ بِالبَعِيْدِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ سُوْقَ النُّخَبِ اليَوْمَ
‏يُعَانِي مِنَ الشُّحِّ فِي النَّقْدِ مِنْ أَعْمِدَةٍ بَلَاغِيَّةٍ وُصُوْلًا إِلَى
‏تَقْزِيمِ الشُّعَرَاءِ الجُدُدِ.
‏فَرَضًا، مَا المُشْكِلَةُ فِي أَنْ يُصْبِحَ الشَّاعِرُ المَوْهُوْبُ نُخْبَوِيَّ الشِّعْرِ وَلَيْسَ نُخْبَوِيَّ التَّذَوُقِ والاسْتِمَاعِ، وَتَقْدِيمِ التَّعْلِيقَاتِ غَيْرِ المُتَّزِنَةِ، وَحَتَّى لَوْ كَانَتْ الْخِبْرَةُ تُحَتِّمُ ذَلِكَ.
‏فَهُنَاكَ صِدَامٌ دَائِمٌ بَيْنَ الشَّاعِرِ الصَّاعِدِ، وَنُخَبِ الشِّعْرِ فِي السَّاحَةِ الأَدَبِيَّةِ اليَوْمَ، الَّتِي بِدَوْرِهَا تَعْتَرِيهَا تَقَلُّبَاتُ الحَدَاثَةِ فِي رَكَائِزَ عِدَّةٍ، أَهَمُّهَا اخْتِلَافُ الفِكْرِ والتَّعْبِيرِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَتَعَدُدُ مَعَالِمَ بِنَاءِ الوَزْنِ؛ وِلِذَلِكَ يَنْشَأُ اليَوْمَ مَا يُسَمَّى بِسَادِيَّةِ النَّقْدِ وَقَوْلَبَةِ المَفَاهِيمِ النَّقْدِيَّةِ، وَهِيَ بِحَدِّ ذَاتِهَا لَيْسَتْ مِحْوَرًا ذَا أَهَمِّيَةٍ فِي تَشْكِيلِ النَّصِّ وَتَقْدِيمِهِ، وَمُحَاوَلَةِ اسْتِنْطَاقِ الصُّوْرَةِ، قَبْلَ تَقْوِيْمِ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ، وَهَذَا مَا جَعَلَ السَّاحَةَ الأَدَبِيَّةَ تَسْتَقْطِبُ بِسَذَاجَةٍ وَتَسَرُّعٍ الشُّعَرَاءَ الصاعدين. وَالدَّلِيْلُ عَلَى كَلَامِي مَنْ يَتَصَدَّرُ المَشْهَدَ الأَدَبِيَّ اليَوْمَ مِنْ خِلَالِ النَّدْوَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، وَالضَّعْفِ الفَادِحِ فِي تَقَاسِيْمَ البِنَاءِ الفَلْسَفِيِّ، وَفِيْ الصُّوْرَةِ المُقْتَرِنَةِ بِاللُّغَةِ البَلَاغِيَّةِ. لِذَلِكَ نَجِدُ حِرَاكَ الأَدَبِ بَدَأَ يَأْخُذُ شَكْلًا مُتَعَرِّجًا فِي طَرِيْقِ الإِبْدَاعِ الحِسِيِّ وَالفَلْسَفِيِّ المَرْسُومِ بِالمَشَاعِرِ المُتَدَفِّقَةِ وَاليَافِعَةِ بِتَكَلُّفِ الأُسْلُوْبِ، الَّذِي يُعَلِّقُ عَلَيْهِ الكَثِيرُون الشَّيءَ الكَثِيرَ فِي الكَارِيزْمَا الشِّعْرِيَّةِ للِشَّاعِرِ وَنَصِّهِ.
‏نَعْشُ الِابْتِذَالِ الأَدِبِيِّ اليَوْمَ يَقْتَحِمُ أَوْجَ الرُّقِيِّ الشِّعْرِيِّ، مُخَالِجًا الفِكْرَ، ومُقَوِّضًا حَرَكَةَ تَقَدُّمِهِ، مُرْتَكِبِينَ بِحَقِّهِ خَطِيْئَةَ الهَتْكِ الأَدَبِيِّ.
‏هَذَا مَا يَقُوْدُنِي إِلَى عُنْوَانِ قَصِيَدِة الشَّاعِرِ الأَلْمَانِيِّ برتولد بريخت: «سَأَذْهَبُ مَعْ مَنْ أُحِبُّ»؛ فَالْعُنْوَانُ بِحَدِّ ذَاتِهِ يَنْطَبِقُ عَلَى بَعْضِ النَّوَادِي الأَدَبِيَّةِ حِيْنَ تَسْتَقْطِبُ النَّطِيْحَةَ وَالمُتَرَدِّيَةَ فِي الأَدَبِ!

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة