لا خير في من لا خير فيه لأهله | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأحد, 29 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 17 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

لا خير في من لا خير فيه لأهله

لا خير في من لا خير فيه لأهله
م. علي القاسمي

التدقيق في حراك المجتمع من نوافذ تواصله ونقاشه وبوحه وتنفسه يشرح أين تكمن نقاط استفزازه ومحطات استغرابه، ولماذا يشتعل بسرعة، وكيف يتضاعف أرشيف صيده الوافر للغرائب والعجائب، نتذكر اللحظات الساخرة الساخنة التي عاشها مجتمعنا الطيب الذكر حين تسرع وزير خدمته المدنية السعودي واعتبر ابن بلده الموظف لا ينتج سوى ساعة واحدة، ليتلو ذلك التصريح الشهير مسرحية بحثٍ مدهشة في السيرة الذاتية للوزير، وتقديمه على طاولة المكاشفة وصيده من زوايا عدة، ومساحات متنوعة كان من أهمها تعيين ابنه في وظيفة ثرية الدخل، وعصية على غيره وعلى من هو أعلى منه تأهيلاً وعمراً.

رادار الضبط الاجتماعي كشف كثيراً من الملفات الضبابية الجالبة للغضب، المثيرة للأسئلة والمؤكدة أن ثمة حكايات مهمة مدفونة وحين تظهر على السطح يتآكل من أجلها بشر، ويخجل منها آخرون ويتورط في إزعاجها آخرون أيضاً، ولاحظوا أني لم أتحدث عن المحاسبة والعقاب مطلقاً، آخر المضبوطات الورقية تحدثت عن قصة تعيين ذوي القربى والنسب في مناصب قيادية بجامعة سعودية ضاربة في القدم والحضور والثقل وتبني القضايا الدينية والوطنية والفكرية، القصة بالطبع ليست نادرة الحدوث لكنها طريفة وعائلية جداً، اشتعل معها المجتمع مجدداً ووقف عند حاجز التنفس والسخرية والتشاؤم والإيمان بأن ذاك ليس إلا شيئاً بسيطاً من مشاريع كبرى لاستثمار الوظائف والمناصب والامتيازات والجوائز المتفاوتة القيمة، ولا أقول هذا السطر الحاد إلا لأن ذاك مقروء ملموس ومشاهد من واقع التعاطي الاجتماعي مع حالات الاستفزاز وأوراق التعيين وخطط إقحام العائلة بالتدريج في الهياكل الإدارية والمناصب القيادية والوظائف المغرية التي تترك اللعاب يسيل لها عن بعد، فماذا يمكن أن نقول عنها حين تأتي على طريقة القفز المظلي؟ أكثر ما يضاعف التذمر الاجتماعي – في مثالين متفاوتي التوقيت والضبط – ويقلص الرضا العام ويخلف موجات غضب ووجع على رغم المحاولات المستميتة الرسمية للعلاج والإصلاح هو الصمت الذي تواجه به كل هذه الأخبار المزعجة والحكايات المكتشفة قديماً وحديثاً، الصمت لا يخدم مطلقاً بل يزيد الاحتقان والتوتر ويعزز من الشكوك في أن ثمة احتكاراً لأشياء كثيرة ونفوذاً لا يقاوم ومساحة حرية لفئات دون أخرى، هذا ما يشعر به المجتمع ويقوله سراً وجهراً، على رغم إيماني بأن النشأة الابتدائية لمجتمعنا رضعت مع حليب الأم في أنه «لا خير في من لا خير فيه لأهله»، وانسحب هذا الإيمان على تحول مؤسسات بكبرها لمؤسسات عائلية أو قبلية ونشوء صراعات يتم وأدها بما هو متاح من محاولات الإقصاء والتهميش، أعلم يقينا بأن غضب المجتمع عاطفي بالمقام الأول قبل أن يكون عقلياً في ظل عمق قناعات النشأة، لكن صمت المؤسسات التي يعنيها الشك والخلل مربك مزعج، وفوق ذاك يظل صمت هيئة الفساد أكثر إرباكاً وحرجاً، وهي التي ولدت لتقلص من دائرة التجاوز والنفعية الضيقة الإطار، وتصحح جزءاً من المفاهيم المغلوطة إدارياً ومجتمعياً، القصص ستولد تباعاً ويكون برفقتها العقل المجتمعي متشائماً تجاه مستقبل أفضل، طالما كان التعاطي الرسمي بعنوان «جبل من صرف النظر والصمت».

 

نقلاً عن: alhayat.com

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة