هرم التطوير المقلوب | صحيفة المناطق الإلكترونية
الاثنين, 30 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 18 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

هرم التطوير المقلوب

هرم التطوير المقلوب
د. أحمد بن سعد ال مفرح*

تتاح لمن يسافر جواً بشكل متكرر الفرصة لتفحص أشياء كثيرة حوله قبل وأثناء وبعد السفر، بل إن تلك التجارب تدخله في متاهات المقارنات بين هذه الشركة وتلك، مقارنات بين الخدمات الأرضيّة، ونوعية الطائرات، وتجهيزاتها، وخدماتها، وأنواع الأطعمة، وسلاسة أو تعقيدات الحجوزات، وكذا استقبال وتفويج المسافرين، وقد تقوده تلك التجارب إلى التعرف على الطيارين والملاحين وملامسة ما يقومون به من جهود وأعمال. 

 

فمن خلال سفرياتي المتعاقبة خلال الثلاثة عقود الماضية إلى بلدان كثيرة واستخدام شركات نقل جوية متعددة، لمست بما لا يدع مجالاً للشك الجهود المشكورة التي تبذلها الدولة لتطوير وتحسين قطاع النقل الجوي لدينا، وما التغيرات التي حدثت مؤخراً على النواحي التشغيلية أو التنظيمية إلا دليل على ذلك، وأيقنت أن الدولة تسعى جاهدة للمحافظة على سمعة أحد أهم وأعرق شركات النقل الجوي، الخطوط السعودية، ليس على المستوى الإقليمي بل على المستوى العالمي، ولا بد من الاعتراف بأن هذه السمعة لا تكمن فقط في تأمين طائرات حديثة أو ممرات نقل مريحة أو صالات متطورة، أو بنية تحتية ذات تقنيات عالية، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في البنية البشرية، بدءاً بأقل الوظائف على السلم الوظيفي للخطوط السعودية وصولاً إلى المدير العام!.

 

إن من يرقب عن كثب الصيانة الأرضيّة مثلاً يشعر أن هناك ضعفاً في الموارد البشرية، فتلاحظ التأخر حال وجود عطل فني بسيط، وتلحظ أن ذات الفني يتنقل بين الساحات لخدمة عدد من الطائرات، والأهم من ذلك إثقالهم بساعات عمل مرهقة، فبعدما كان الفني الواحد نصيبه نحو طائرة أو طائرتين تقريباً، أصبح الْيَوْمَ يصل إلى أربع طائرات أو أكثر!، أي بشر يستطيع تحمل تلك المسؤولية؟، وموظف الترحيل هو الأخر يشرف على عشرات الرحلات بفعل ارتفاع الطلب الحاد على السفر الجوي، وكذا موظف إنهاء إجراءات السفر مع أن المكننة ساهمت في خفض مهامهم، وأما مناولة الأمتعة فقصة أخرى، ومع أنها ليست من مهام شركات الطيران مباشرة، ولكن يمكنها فرض شروطها عليها، ثم يأتي الطيار وطاقم الطائرة الذين توزع جداولهم بشكل لافت على رحلات مجهدة وفترات راحة قصيرة لسد الاحتياج الفني مع ارتفاع عدد طائرات الأسطول، ومثل ذلك على الشحن الجوي، والتموين، ونقل الركاب من وإلى الطائرات في حافلات بعضها لا يعكس ما ينفق عليها ويخدش بصلف واجهة الوطن الحضارية، وأخشى أنه لم يكن هناك استراتيجية واضحة لتوفير الموارد البشرية لتواكب هذا التوسع الكمي الفني الكبير، في ظل هذه المتطلبات الواضحة للعيان دون بحث أو (نبش)، يقف المواطن الغيور في حيرة من أمره؛ ويتساءل، لم هذا التدهور، ولم لم يقارن المسؤولين في “السعودية” للخدمات المقدمة لديهم بخدمات شركات الطيران الأخرى؟!، ثم ألم يعرفوا ويقدروا تاريخ هذا الناقل الوطني العريق؟.

 

لقد نجحت الخطوط السعودية لسنوات بجلب طائرات الجامبو والترايستار بفخامتها وبطياريها وأسمائهم اللامعة وبخداماتها وصيانتها متناهية الحرفية والدقة لجذب المسافرين من كل دول الخليج والوطن العربي للسفر إلى محطات أوروبا و أمريكا، وكنّا حينها وبفخر نظن أن يطول بنا البقاء على تلك القمة المشرفة والرائعة، ولم نفكر بدخول منافس آخر يزاحمنا أو يزحزحنا عن القمة، فحدث ما نرى الْيَوْمَ من منافسة ليس في اقتناء أحدث الطائرات  فقط، ولكن بتطوير المطارات و بناء أحدث برامج التدريب والتأهيل والتوظيف للكفاءات، يضاف إليها حزم الحوافز المعنوية والمادية، فالطيار أو الملاح في الأجواء الذي يخدم شركة ما، لا يقلق على ابنه المريض، أو والدته المقعدة التي تحتاج لدواء عاجل، فالشركة تخدمه بدون تردد أو منه!، لأنها تسعى لرضا روح العمل وإعطاء الحقوق ووضوح الوجبات والالتزام بالعقود وتطبيقها ومراعاة السمعة للشركة وخدمة العملاء على أكمل وجه مهما وأينما كانوا.

 

واليوم.. فإن الراكب لدى تلك الشركات والمسافر على درجة الأعمال أو الأولى إلى مطاراتنا يجد أن فارق السعر الذي دفع يتضح في فارق الخدمة المقدمة بين الدرجات، ويلمس الراكب سرعة التفويج ومناولة الأمتعة وبشاشة التوديع وحرارة الاستقبال، أما مع “ناقلنا الرسمي” – في المقابل – وفِي مطاراتنا فإنني أستغرب ما يجري، فإنه عند ترحيل أكبر عدد من الركاب أو مناولة أكبر قدر من الأمتعة، لا ينظر إلى فارق الدرجة ولا فارق السعر الذي دفعه المسافر، كل ذلك من أجل ترشيد النفقات فيتم خفض أعداد الموظفين وآليات النقل ونوعية الخدمة؟!.

 

اعتقد أن الخطوط السعودية الْيَوْمَ بحاجة ماسة إلى تحول هيكلي جذري (paradigm shift) لتطوير الخدمات الاساسية والمساندة، و السعي لإرضاء موظفيها قبل عملائها والتوجه إلى خفض الإنفاق على قياداتها العليا ومخصصاتهم وتأثيث مكاتبهم في الداخل والخارج وتقليص أعداد موظفي المكاتب والسكرتارية الخاصة بهم وتحويل كل ذلك إلى تطوير البنية البشرية في الصفوف الأمامية والعمود الفقري للخطوط السعودية، بدءاً بالطيار وانتهاءً بفني الصيانة، فهم قلب العمل النابض، والخطوط السعودية شركة تجارية يمكنها فعل ذلك ببساطة فلديها من المرونة المالية والإدارية الْيَوْمَ ما لا يوجد لدى الجهات الحكومية!، إلا أن يكون داء القطاع الحكومي قد طغى على الفكر الإداري لقيادات الشركة؟!. ففي أغلب الجهات الحكومية مع الأسف يبدأ المسؤول بتحديث وتطوير دائرة قطرها نحو خمسين متراً من مركز مكتبه، والباقي يأتي مستقبلاً، ولو أن أحدهم بدأ بأبعد نقطة يخدمها لشعر هو بالارتياح وانعكس ذلك على رضا موظفيه وعملائه ورفع الإنتاجية لسقفها الأعلى.

عليها “السعودية” أن تبدأ بالعناية بالبنية البشرية داخل قمرة قيادة الطائرة وما يتعلق بالطائرة من أمور التشغيل والصيانة الأرضيّة والجوية، وسوف نرى الفارق بإذن الله.

 

أتمنى على الخطوط السعودية البحث الحقيقي عن أسباب تذمر العملاء والموظفين، ولا تعمد سوق المبررات، فالاعتراف بالخطأ أول خطوات الإصلاح كما هو معلوم، وأقترح على التنفيذين القيام وبالتناوب فيما بينهم بكافة إجراءات الحجز والسفر لهم ولعائلاتهم وعلى حسابهم الخاص والسفر على درجة الضيافة والجلوس في المقاعد الداخلية (الوسطى) في رحلات داخلية ودولية وإنهاء إجراءات سفرهم وصعود الحافلات ومباشرة مناولة أمتعتهم كل ذلك بصفاتهم الشخصية لا الاعتبارية ليقفوا على الخدمة المقدمة ويقيّموها، ثم يجتمعون تبعاً لذلك ويتخذون الخطوات العملية لتطوير البنية البشرية الشامل!، لدينا بالفعل مُشكلة ولابد من مواجهتها والعمل على حلها، فهل سيسمع صوتنا هذه المرة، وترصد كل تلك الاقتراحات والانتقادات من المستفيدين، وتعقد “السعودية” ندوة عنوانها: “ماذا يريد المسافر من الخطوط السعودية”؟، وسبق وأن علقت على استبيان الفرسان ووضعت بعض الملاحظات والاقتراحات، ولم يتفاعل أحد مع ذلك، وكنت أتوقع  أن تتفاعل الشركة مع حاملي البطاقات الذهبية على الأقل لا لشيء، إلا لانهم حصلوا على البطاقة الذهبية بعد السفر جوا لعشرات الألاف من الأميال على طائراتها، وأصبح لديهم تجربة جيدة يمكن الإفادة منها لو كان هناك رغبة وإرادة!.

 

ليس من المصلحة تقليص الإنفاق على روح العمل وقلبه النابض بحجة الترشيد، وتوجيه المال إلى الأمور الثانوية، فالترشيد يجب أن يصعد إلى الأدوار والمكاتب العليا في أابراج الخطوط السعودية التنفيذية وفِي مكاتبها الخارجية، حتى لا نعرض حياة المسافرين للخطر أو نجازف بسمعة الوطن من أجل خطة تقشف في غير مكانها!.

أتمنى النظر إلى ما كتبته باعتباره صرخة من مواطن غيور لا يتصيد العثرات، بل يستهدف النقد البناء للتطوير وتحسين الأداء، فالخطوط السعودية لا زالت إحدى رموز هويتنا الوطنية، ويجب أن تبقى كذلك،  ومن أراد أن يقف على الواقع الموجع فليذهب لمستودعات الصيانة وحجرات الفنيين في ساحات المطارات ومراكز العمليات الجوية وليقف على الطائرات القديمة والمهملة في بعض مطاراتنا، وعليه في المقابل أن يزور مكاتب أصحاب السعادة المديرين التنفيذين في الأدوار العليا من أبراج الخطوط السعودية العاجية، وسوف يدرك أن هرم التطوير مقلوب مع الأسف!.

 

*كاتب سعودي

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة