حصاد الغيرة | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأربعاء, 28 محرّم 1439 هجريا, الموافق 18 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

حصاد الغيرة

حصاد الغيرة
د.أحمد آل مفرح

فورة الغيرة دفعت قابيل لقتل أخيه هابيل، ودفعت إخوة يوسف عليه السلام إلقاء أخيهم الصغير في غيابة الجب، والغيرة أصَمَّت أذان قريش عن الاستماع لوحي الله الذي جاء به نبينا محمد عليه السلام، ومن المعلوم أن حصاد الغيرة المنفلتة يأتي على الأخضر واليابس عندما يغيب العقل وتحكم العواطف، والغيرة المنضبطة في المقابل تكون طاقة للتنافس والابداع ودافعاً للتطوير والازدهار، وهي وقود دافع لتحريك مكامن القدرات البشرية الداخلية وتفجير الطاقات للعمل والسعي الدؤوب، لتدفع بالفرد لتحقيق التفوق والإنتاج العلمي والاختراع وتحقيق الذات، وهي في ذات الوقت وقود هلاك للنفس ذاتها ولمحيطها أيّاً كان، فينتج عنها القتل والتدمير والبطش والعنف عندما لا  تتمكن النفس من لجم اندفاعها وقوتها وعدم توجيهها في الاتجاه الصحيح، فتفقد الزوجة زوجها، والأبن أباه، والأخ إخوته، ويصل الأمر إلى تقطع الأرحام وتشتت الأسر وضياع الأبناء وفقدان بوصلة الاتجاهات نحو أهداف الحياة السعيدة لتحقيق مغزى الاستخلاف البشري في الأرض، هذا في المحيط الأسري الصغير!، فما بالك عندما تكون الغيرة على مستوى المجتمع الكبير أو الشعب أو الأمة حيث تولد الاختلافات وتنشأ الفتن والشحناء ويبرر العنف وتندلع الحروب، فيعم القتل وتنتشر العداوات بين الإخوة والأشقاء ويهلك الحرث والنسل!.

 

والغيرة من وجهة نظري تنسحب على كل مجال من مجالات الحياة ولا تقتصر على الأفراد فحسب، فكل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها بواعث للغيرة سلباً أو إيجاباً، فإذا كانت الغيرة إيجابية ولد التنافس الشريف لتعزيز المكانة ونماء المجتمع وتحسنت الخدمات وانتشر الرخاء وعم الأمن  بين الشعوب عامة وبين أفراد الشعب الواحد خاصة، فيكون التنافس بين المدن والأمصار وتكون الغيرة في هذا الحال غيرة غبطة تجاه المنتجات الخدمية المميزة و تجاه الحاكم  أو الوزير أو المسؤول المنتج والمبدع فينعكس على نماء المساحة الكلية للوطن بإيجابيات مثيرة للإعجاب والفخر، غير أن غيرة الحسد هي تلك التي تدع المنافسة الشريفة جانباً، وتركن إلى الكيد والتآمر على أصحاب التفوق والمبدعين وانتقاص وإيذاء القادة والرموز العاملين الذين حققوا لأوطانهم الخير والنماء، وهنا مكمن الخلل، ويبدأ معه السقوط في فخ الحقد والحسد الأعمى فلا يهنأ  لحاسد بال، ولا تهدأ له نفس حتى تزول نعمة الله عن غيره، متناسين قول الله جل وعلا الذي أعطى بقدر وبعلم وبحكمه: “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا” سورة  النساء ٥٤.

 

وبما أنه لا يمكن للقوى الخارجية لبلد ما التدخل في الشؤون الداخلية لغيره بشكل مباشر ولا يمكن لها تحريك أو استعداء شعب على حكومته خصوصاً تلك الشعوب المستقرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والمتماسكة بلحمة العقيدة والإيمان، فإنه والحال هكذا لا مناص من العمل السياسي، من خارج الحدود بدوافع الغيرة السياسية والتي تأتي غالباً كردة فعل لسياسة مقابلة متفوقة، أو انتقاماً وانتقاصاً من هذا البلد أو ذاك، نتيجة لثناء أو إجماع على تميزه أو تقديراً لقوته ومكانته ومتانة سياسته الداخلية والخارجية، حينها تكون الغيرة السياسية أداة ومحرك للنيل من ذلك البلد من خلال كواليس الدبلوماسية بأشكالها المعروفة ودهاليزها الكثيرة، فيكون الاستفزاز السياسي أولاً بتصريحات مبطنة تحمل في طياتها رسائل سلبية موجهه من اْبواق الإعلام الجديد والتقليدي بأيادي مؤدلجة وحناجر مأجورة، وقد تكون من خلال أذرع متآمرة متعاونة وخلاياً نائمة متوارية عن الأنظار لإبعاد الشكوك حول المصدر الحقيقي، ثم قد تكون بممارسات علنية (استفزازية) وذلك بمد الأيادي لمصافحة أعداء، كانوا يوما أعداء مشتركين، وإبرام الاتفاقيات معهم دون التفكير في العواقب المستقبلية عندما تذهب “السكرة وتأتي الفكرة”!، وقد يصل الأمر إلى تحريك أذناب العنف والتخريب للمصالح العامة والخاصة وإثارة القلاقل في أي وطن.

عندما وضع صدام حسين يده في أيادي الفرس وسلمهم رقبته بعد حربه الدامية معهم، نجحت إيران وسادتها في تحريكه ضد جارته الكويت المستقرة مستهدفين بلاد الحرمين الشريفين، فخابوا وخسروا، وأضعف وأنهك جيشه بمؤامرة يدرك حقيقتها الْيَوْمَ الجميع، وكانت نهايته الإعدام في يوم النحر بذات اليد التي امتدت يوماً إليه والتي لم تراع حرمة الزمان ولا الوفاء بالعهود والمواثيق، وبقيت بلاد الحرمين الشريفين عزيزة  آمنة مطمئنة بفضل الله أولاً ثم بسياسة قادتها الناضجة الذين يدركون جيداً أبعاد كيد الكائدين ودسائس وحبائل المتآمرين، ويبذلون الغالي والنفيس للدفاع عن وطنهم، ويدفعون بعجلة نماءه وازدهاره وأمنه وتسخير كل الإمكانات لخدمة الحرمين الشريفين وضيوفهما، والسؤال العريض هنا… من يرضى لأي قطر إسلامي وضعاً مماثلا للوضع المؤلم الذي تعيشه بلاد الرافدين والشام اليوم؟!.

 

لقد عشنا خلال هذا الأسبوع مع قطر، الجارة والشقيقة، وضعاً وموقفاً صادماً أتى مباشرة بعد نجاح باهر لقمم الرياض الثلاث حين شعر كل مسلم أخيراً بالفخر وبوحدة الكلمة واجتماع الصف وتوحيد الرؤية ولم الشمل وتعزيز التضامن لمحاربة كل بؤر الانحراف والإرهاب والذبّ عن دين الإسلام الذي اتخذه الأعداء هدفاً للنيل منه، واستغلته فارس وولاية الفقيه مطية لتحقيق أطماعهم التوسعية، وجاءت النتائج عملية على غير ما تعودنا، فانطلق مركز “اعتدال” الذي شكلت انطلاقته كابوساً لأعداء الإسلام ومنهم إيران حيث ستكون مؤامراتها و دسائسها في مرمى المركز، ولن تستطع هي وأتباعها وسادتها الانفكاك أو التحرر من قبضته بحول الله، فكما طوقت وقطعت عاصفة الحزم أذرع إيران العدائية، فسوف يأتي مركز “اعتدال” على فضح ولجم مؤامراتها الفكرية والعقدية.. فلم يا قطر الحبيبة هذا الموقف لاختطاف نشوة وفرح المسلمين؟، ولمصلحة ولأجل من؟.

 

لم أجد أي مبرر للموقف القطري هذا، من وجهة نظري، إلا الغيرة والتي قد تدفع بها إن لم تعيد حساباتها – لا سمح الله – إلى الانغماس في وحل الحقد والتآمر والكيد متجاهلة مكانة المملكة وثقلها وما يقابل ذلك الموقف وأمثاله سابقاً من هدوء وتحمل وحكمة وروية من المملكة، رغبة صادقة منها، وكعادتها، في احتواء شطط الإخوة، وليس ضعفاً أو جبناً فالجميع يدرك الْيَوْمَ وبما لا يدع مجالاً للشك، وبفضل الله، ريادة المملكة وتربعها على عرش الشموخ والعزة، ويُعرف جيداً مكانتها الكبيرة في نفوس المسلمين الموحدين، وموقعها البارز على خارطة السياسة الدولية.

إن العلاج قد يكون مؤلمًا للجميع ولكن ما الحيلة أمام اندفاعٍ غير منضبطٍ أو تصرف غير مدروس من شقيق نكن له كل حب وتقدير وتربطنا به روابط عدة لا تخفى على أحد.

نتمنى ألا يكون بيننا من يغرد خارج السرب أو يلتف على إجماع الأمة أو يتواطأ مع عدو مشترك، فنوايا ولاية الفقيه معلومة منذ عقود وأطماع فارس لا تزال قائمة وتآمر الصهيونية حقيقة ماثلة، وكلها أنياب سبع شرس يحاول أن يفتك بالقاصي من بيتنا الخليجي، فلم نسمح لأحد منهم تحقيق مآربه؟!، وهل يظن أن يبقى العقلاء صامتون؟!.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة