الكشك | صحيفة المناطق الإلكترونية
الثلاثاء, 27 محرّم 1439 هجريا, الموافق 17 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

الكشك

الكشك
نايف العطوي

عاتبني أحد الأصدقاء بأنه لا يجوز أن تعاب قطر على صغر مساحتها، وأنه لا يجب الخلط بين “تميم” كأمير لقطر يمارس سياسية خاطئة ومطلوب تصحيح مساره، وبين قطر كدولة لا يعيبها صغر مساحتها، مؤكداً أن بريطانيا حكمت العالم مع أن مساحتها لا تقارن بكثير من الدول، وهو محق في ذلك خاصة أنني أعد هذا الصديق ضمن الفئة النخبوية فكرياً، إلا أنني أضيف بأن ذلك الكشك البريطاني كان يقوده ساسة من ضمنهم مارغريت تاتشر التي توصف بأنها المرأة التي لو تعطل نصف دماغها تبقى من أذكياء العالم، إذن فلا مجال للمقارنة هنا على الإطلاق .

ما سبق هو مقدمة للمقال الذي ترددت كثيراً قبل خوض غماره لعدة اعتبارات أهمها النصيحة الذهبية “لزوم الصمت في حال الفتن”، إلا أنها قطر … وما أدراك ما قطر!.

ولنبدأ الحكاية من آخرها وتحديداً عند أكذوبة اختراق وكالة الأنباء القطرية، وهنا لابد من الإشارة العادلة بأنه يحدث دائماً في الأعراف والتقاليد الدبلوماسية تراجع الدول عن تصريحاتها حتى بعد توثيقها عبر القنوات الرسمية، لأسباب مختلفة، أغلبها يدور حول مصالح تلك الدول التي سوف تتأثر سلباً بسبب تلك التصريحات؛ فيعمد ساستها إلى تعديل أو نفي تلك التصريحات، وغالباً يأتي النفي عبر العبارة الشهيرة “التصريح خرج عن سياقه”، وبما أن هذا النفي أو التعديل يقبل في الغالب، فمن المنطقي والبديهي أن نقبل نفي الدولة لتصريحات منسوبة لرئيسها تم اختراق أجهزتها الرسمية، فما بالك إذا كانت هذه الدولة عضو أصيل في الجسد الخليجي!، إلا أنه في الحالة القطرية بالذات لا يستطيع عقلي قبول عذر ذلك الاختراق، فرغم أني أملك حسٌّ إنساني أدّعي أنه مرهف، ورغم كوني عربياً وقبل ذلك خليجياً، فإن عقلي البسيط يأبى أن يتقبل فكرة اختراق وكالة الأنباء القطرية على هذا النحو الغريب تقنياً. وحتى لو تجاوزت ذلك الرفض، وحاولت أن أقنع نفسي، وأحسن النية، وأقدر كل ذلك الكم الهائل من عمق الارتباط الخليجي بقطر على كل الأصعدة، إلا أنني أصطدم بادعاء اختراق آخر في التليفزيون الرسمي القطري، وادعاء آخر باختراق وزارة الخارجية القطرية، وادعاءات كثر لاختراقات في عدة قنوات رسمية سياسية وإعلامية قطرية باللغتين العربية والإنجليزية تتضمن نفس المحتوى، متسائلاً لو أن هذا “الاختراق” حدث لدولة أخرى ولنقل الكويت مثلاً، ترى هل ستحدث كل هذه التداعيات.. أجزم بأن الاجابة ستكون بالنفي..

ولكنها قطر .. وما أدراك ما قطر!.

قطر .. تلك الدولة التي رغم صغر مساحتها إلا أنها أصبحت قوة ذات تأثير إقليمي مزعج لجيرانها، ويعود ذلك التأثير لثلاثة عوامل هامة نذكرها هنا باختصار:

ـ هذه الدولة “الكشك” تملك ذراعاً إعلامياً مؤثراً جداً في المنطقة والعالم، يتمثل في قناة الجزيرة، التي أصبح لها جماهيرية غير مسبوقة عربياً خاصة في العشر سنوات الأولى.

ـ أيضاً لدولة قطر ذراع مالي يتمثل في الغاز والنفط، جعل منها دولة تسبح في الأموال .

ـ أما الذراع الثالث فهي قاعدة عديد الأمريكية والتي تتفاخر قطر بوجودها، متخذة منها قوة ردع إقليمي كما تظن.

هذه الأذرع الثلاثة أسقطت قطر في فخ الغرور، وجعلتها تتوهم الريادة في العالم العربي، فانطلقت سريعاً نحو محاولة السيطرة والتمكن دون حساب لعواقب هذا الوهم، فعاثت فساداً في الدول العربية بداية من القاهرة مروراً بطرابلس ثم صنعاء ودمشق.

قطر تلك الدولة التي دأبت على الجمع بين المتناقضات، تدعم حماس ثم تفتح مكتباً للعلاقات التجارية مع إسرائيل، تنادي عبر أبواقها للسلام وتنسج خيوط الخيانة للإطاحة بالأصدقاء، تثمّن عالياً دور الأخوة والدم الواحد فتدعم الإرهاب في البحرين، تنادي باستقلال القرار العربي وتحتضن أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، تدعم بالسلاح والمال الحرب ضد النظام السوري وتصف إيران بصديق المنطقة، تشارك في عاصفة الحزم وتدعم الحوثي.

ولكنها قطر.. وما أدراك ما قطر.!

قطر .. تلك الدولة التي لا يتجاوز عمرها عمر من في جيلي، تأبى إلا أن تغرد خارج السرب الخليجي والعربي دوماً، تمادت كثيراً حتى وصل بها هذا الوهم للتطاول على مقام المملكة العربية السعودية وبقية جيرانها، فأخذت تمارس انتهاكات جسيمة تضر بالأمن الوطني السعودي والخليجي، كالتحريض للخروج على الدولة، ودعم المنظمات الإرهابية كداعش والقاعدة وجماعة الإخوان المسلمين، والترويج بشكل دائم لأدبيات ومناهج تلك المنظمات عبر وسائل الإعلام القطرية، ناهيك عن الدعم والمساندة لجماعة الحوثي، مروراً بدعم النشاطات الإرهابية في شرق المملكة، متناسية بذلك وعن عمد كل العهود والمواثيق التي أقامتها سابقاً مع دول الخليج والتي كان آخرها تعهدها في الرياض بتنفيذ الاتفاقية الأمنية الخليجية التي تنص على امتناع جميع الأعضاء عن التدخل بالشؤون الداخلية للدول، ثم جاءت الطامة عبر تلك التصريحات التي أطلقها تميم ـ رغم دعوى الاختراق ـ لتكشف للجميع مدى الحقد الذي تعاني منه قطر منذ بداية مراهقتها السياسية، ولعل القمم الثلاث التي عقدت في الرياض مؤخراً هي من عجل بخروج تلك التصريحات، فكان لزاماً على المملكة العربية السعودية أن تنفض عنها غبار المجاملات السياسية، وتتخذ مع بقية جيرانها وأصدقائها هذا الموقف الحازم الذي وضع قطر في أسوأ حال لها منذ تأسيسها في السبعينات من القرن الماضي.

وعند محاولة خروج هذا الفرخ الصغير من الأزمة التي وضع نفسه فيها ارتكب حماقات كبرى وصفها وزير الخارجية الإماراتية بالفصل المأساوي الجديد، فاستعان بدولتين غير عربيتين، الأولى إيران الفارسية صاحبة اليد الطولى في محاربة كل ما هو عربي وسني تحديداً، ولا يخفى على أهلنا في قطر عظم شر هذا الشيطان الأكبر، الذي تجلى واضحاً في العديد من الممارسات الإيرانية التي لا تراعي حرمة للدين، أو الجوار، أو الأخلاق، أو حتى الأعراف الدبلوماسية.

والثانية تركيا و “أردوغانها” المسكون بهاجس النزعة الاستبدادية، صاحب نظرية “العثمانيون الجدد” والذي يتناسى “تميم” عن عمد طموحه “أردوغان” العثماني الواضح في الوطن العربي، وأمله في إعادة تلك الأمجاد، خاصة بعد فشله الذريع في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

ولكنها قطر.. وما أدراك ما قطر.!

وختاماً.. أعطي الحق لنفسي في أن أقول لصناع السياسة في قطر :

هذه هي السعودية أيتها الجارة قطر.. السعودية التي دأبت دبلوماسية / الحمدين / قبل تميم على تسميتها دوماً بالشقيقة الكبرى، فكان لزاماً على هذه الشقيقة الكبرى أن تمارس دورها التربوي، وتعيد الشقيقة الصغرى إلى جادة الصواب، مراعية كافة حقوق الشعب القطري الذي يعد امتداداً طبيعياً وأصيلاً للشعب السعودي.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة