موقع “المناهج الشرعية” من بناء “الفكر المعتدل” و”مواجهة التطرف” 2 ـ 2 | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأربعاء, 28 محرّم 1439 هجريا, الموافق 18 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

موقع “المناهج الشرعية” من بناء “الفكر المعتدل” و”مواجهة التطرف” 2 ـ 2

موقع “المناهج الشرعية” من بناء “الفكر المعتدل” و”مواجهة التطرف” 2 ـ 2
د.عبد الله بن علي الميموني

إن التهديدات والمصاعب والعقبات التي تواجهها الأمة كبيرة جداً والإجماع حاصل على أهمية التعليم والمناهج في تصويب الأفكار،والمناهج، ومكافحة الفكر المنحرف بكافة أشكاله.

وموضوع المناهج مع بالغ أهميته لم ينل عناية كافية، وكما أن الفتوى بمثابة التوقيع عن الله بأنّ هذا هو مرادهُ وحكمه، فالمناهج الشرعية هي المدخل لفهم هذه التوقيعات وتوجيه فكر الموقّعين “المفتين” فهي ركن أساسي في تعليم وتأهيل من سيتولون الفتوى والإرشاد والتعليم وأيضا من سيتأثرون بالفكر المعتدل الذي ستشتمل عليه وتنادي به المناهج السليمة، فلها هدفان مترابطان، التوجيه نحو الاعتدال، والحماية من الانحرافات، لأنها حصن حماية أساسي من الغلو وشتّى أنواع  الفكر الضال.

ويحقّ لنا أن نسأل أنفسنا، وجامعاتنا، ومدارسنا، هذا السؤال المهم المتعلق بقضية من القضايا الكبيرة التي تشتمل عليها المناهج، وهو: هل نجحت مناهجنا في إيضاح أسس  العلاقة مع غير المسلمين، وتبسيط أدلتها وحكمتها وبيان سماحتها!؟ بحيث يفهم المتعلمون هذا الموضوع فهماً صحياً معتدلاً مبنياً على التأصيل الشرعي الموافق للدليل و المطابق للواقع، وهل نجح فقهاؤنا في إيصال هذا الفكر الشرعي الصحيح لهذه القضية؟.

وهل ساهمت وسائل الإعلام في إيصال أصوات العلماء العارفين للأمة لتتفهم حقائق هذا الموضوع المهمّ!؟. أم أن وسائل الإعلام ساهمت وتساهم في التخبط وفي تصدير فئات معينة للمشهد!؟

هذه التساؤلات من تتمات الجزء الأول من المقال حول “موقع المناهج…” والجواب عليها ليس جواباً سريعاً جاهزاً، فهناك تفاوت واختلاف في النظرة وفي الطرح لهذه القضايا حتى في داخل البلد الواحد، والتساؤل يراد منه تنبيه الأذهان إلى حجم المشكلة، والحاجة للتدقيق، والنظر في أبعادها وآثارها، وهناك جوانب، سبق الكلام عليها في المقال السابق، وتبين وجود قصور ونقص في المعلومات المتاحة للدارسين في هذا الجانب أدّت إلى ضبابية في الرؤية عند بعضهم وتطورت عند آخرين لتصل حدّ  استغلال  تلك الثغرات من دعاة الفكر المتطرف وغيرهم.

وكما أن الفتاوى لا يجوز أن تتحكّم فيها الأهواء ولا أن تفصل على مقاسات خاصة تناسب أفراداً أو أحزاباً أو جماعات أو حتى دولاً، لأنها شرع رباني عام لجميع البشر فلا يجوز أن تكون المناهج تبعاً لأهواء أهل زمان دون غيرهم، والمناهج الشرعية السديدة أكبر معين على توجيه بوصلة الفكر نحو مقاصد الشرع وحكمته وعدالته ومتى كانت معبرة عن نظرة الشرع الصحيحة كانت أعظم معين على نشر مبادئ العدل والمساواة وكانت سدّاً منيعاً يحول دون انتشار الأفكار الغالية والمذاهب الهدامة، وإذا كانت الشريعة متصفة بالشمول ومراعاة ما يحقق المصالح فإن المناهج اجتهاد محمود في تبيين وتصوير مسائل الشرع الصالح لكل زمان ومكان، فيجب أن تكون تبياناً عادلاً للشريعة بكمالها وحكمتها وشمولها، ومتى خضعت الفتاوى أو المناهج الشرعية للأهواء المتقلبة اضطربت ولم تعبر تعبيراً صادقاً أو وافياً عن مراد الشارع، والباري تعالى قد أخبر خبراً صادقاً أنه يريد التخفيف عنّا وأنه يريد بنا اليسر لا العسر، كما قال تعالى: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” وقال: “يريد الله أن يخفف عنكم”، والأهواء تتبدل، والمصالح الخاصة تتغير، والشرع بحكمته وسماحته يسمو فوق أهواء البشر وتقلباتهم وتناقضاتهم.

ومن كان همّه عند النظر في الكتاب والسنة الرغبة في تصحيح هواه، أو هوى حزبه وجماعته أو قومه، فسيصرفه هواه عن الإنصاف والنظر السديد، فينحرف به الهوى “ولو اتبع الحق أهو..” فلا يراعى إلا ما راعاه الشرع بحسب التأصيل السابق، وما راعاه الشرع كافٍ في تلبية مصالح الدين والدنيا.

ويشتمل القرآن والسنة على أمثلة كثيرة من الأخذ بالحكمة في معاملة الخلق والتعامل مع المخالفين، وأما الرحمة بالخلق والرفق بهم، ففي الشرع من ذلك ما يفوق كثيراً من الدساتير الحديثة في التعامل الإنساني، وحفظ حقوق الإنسان، وكل ذلك على وفق الحكمة ومقتضياتها، وعلى أساس من الرحمة ومراعاة المصالح بحيث يقضي  الناظر العجب ولا غرابة في ذلك فإن مبنى الشريعة على مراعاة الحكمة والنظر للمصلحة وتحكيمها كما بينه العلماء وتقدمت الإشارة إليه مرارا لأهميته.

وحين نظر العلماء والمفكرون من قرنين إلى حال الأمة المتردي تكررت دعوات كثيرة حديثة وقديمة للعودة للأصالة، مع بناء الفكر الواعي الحر، الذي يفيد من إرث الأمة الحضاري، وتاريخها العريق، ويبنى عليه ويتصف بالمرونة في حدود ثوابت الشرع ومقاصده ومصالح الأمة، ونقل فتاوى كبار العلماء من الصحابة ومن بعدهم مع أدلتها في المسائل الخلافية يتيح المقارنة وفيه فوائد، منها الاعتياد على وجود الاختلاف، وعلى حسن التعامل معه، ففهم اختلاف فقهاء السلف وغيرهم، معين على نبذ الجمود والتعصب، والناظر إلى حسن فهم الفقهاء الكبار لمحكم الكتاب والسنة وردّهم المشتبه للمحكم يبصر دقة نظرهم.

ومتى اطّلع طلاب العلم على هذا الاختلاف، راجعوا أنفسهم، واقتدوا بمن سبقهم في التحري والإنصاف وتقديم الدليل، ومن فوائد ذلك أن من لم ترسخ قدمه في العلم يقف ولا يتجرأ لقصور علمه عن فهم الأدلة ومراتبها، فتنجو الأمة من غُلوّ الغالين، وجهل الجاهلين فتكون الأمة مُتّبعة لا مُبتدعة، ومقتصدة لا ظالمة، ولا مقصّرة، كما في الحديث “يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”، وحاجة المناهج للتعاهد، للتطوير والتجديد والإصلاح، كحاجة العقول للصقل والتدريب، كلاهما مهم وضروري للنهوض والتقدم الرشيد، والتجديد ملازم للأمة في أطوار نهضتها، من أيام الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، وبه يأخذ كبار الفقهاء في حدود ثوابت الشرع.

ومن وقف على متفرقات كثيرة من فتاوى كبار الفقهاء، ونظر في كلام المحققين من العلماء في مقاصد الشريعة، وفي بيان معاني الكتاب والسنة، في عصور كثيرة، علم مبلغ فهمهم لحاجة الأمة للتجديد الفكري، تحت مظلّة الدليل وبناء على مقتضيات المصالح المرسلة، وفي إطار الثوابت وضمن سياج الحكمة، وفي المقابل، فمن يتأمل أحوال الغلاة والمتعصبين والمقلدين الجامدين من أتباع المذاهب وغيرهم، يتبين له كثرة الآفات والفتن المتولدة عن العصبية والجمود الفكري والغُلو. وأما مقدار ما أحدثته من الفرقة العظيمة، فأعظم من أن يشار إلى أمثلته، فالغلو والجمود المذهبي والفكري والمبالغة في التعصب لآراء الرجال وإهمال النظر المنصف في البراهين وتزيين الشيطان وأعوانه، لكلّ طائفة أنهم على الحق لمجرد أنهم واثقون بمنهج شيوخهم أفضى إلى شر مستطير ولم يزل، وهو من أعظم أسباب تسهيل غلبة الأعداء وتكالبهم على الأمة، وهو أيضاً من دواعي الانشغال عن مواصلة البناء والتطوير.

وكذلك التعجل في استباحة الدماء، أفسد – و التاريخ يشهد- من شؤون الأمة وأحوالها الدينية والدنيوية ما لا يعلم مقداره إلا الله.

وأخيراً.. فالإصلاح والتطوير لا يستلزم اتهام أحد بتعمد التقصير، ولكن سنة الحياة التطور، وحكمة الشريعة تقتضي الأخذ بالإصلاح المتدرّج، والمناهج ركن من أركان العملية التعليمية ولذا فتطويرها وحمايتها من شوائب القصور هو تطوير وحماية للتعليم.. الجزء الأول من المقال: almnatiq.net/35578

عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة وإمام وخطيب جامع الخندق

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة