خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي | صحيفة المناطق الإلكترونية
الجمعة, 30 محرّم 1439 هجريا, الموافق 20 أكتوبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي

خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي
واس - مكة - المدينة

أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح آل طالب المسلمين بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، وأن ثمرة أعمال الجوارح والقلوب هي التقوى فاستجلبوها بحسن القصد وحسن العمل.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم :” حجاج بيت الله وزوار مسجد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هذا بيت الله المعظم وهذا حَرَمُه، هذه العرصات التي قضيّتم أعماركم وأنتم لزيارتها تتلهفون، ومضت أيامكم وأنتم إليها تركعون وتسجدون، هنا معاهد النبي ومن هنا طاف جبريل، هذه الفجاج شهدت نزول الوحي وصاخت لأول التراتيل وهذه البقاع التي ارتضاها الله للإسلام منطَلَقَاً ومَأرِزَا، وللمسلمين قبلةً ومَركَزا، وليس في أركان الإسلام الخمسة ركن يختص بأرض إلا هذا الفرضُ في هذه الأرض فاحمدوا الله على الوصول للمأمول، وهنيئاً لكم هذا المشهد، وطوبى لكم هذا المورد” .
وأوضح أن الأمة تمر بموسمٌ عظيم من خير أيام الله تعالى، وركن من أركان الإسلام العظام، يتجاوز الله فيه عن الخطايا ويغفر الذنوب ويقيل فيه العثرات ويقبل الدعوات, إنه الحج إنها أيام عشر ذي الحجة، إنها الأيام المعلومات والأيام المعدودات، مشيداً إلى أن الحج إلى بيت الله العتيق، شعار الوِحدة والتوحيد، وموسم إعلان العهود والمواثيق وحفظ الحقوق والكرامات وحقن الدماء وعصمة النفوس والأموال فالجلال والجمال والبهاء هو إيحاء منظر الحجيج في حرم الله وفي دروب المشاعر، وفي اتحاد وصفهم وبياض لُبسهم، وفي تلبيتهم الخالدة : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك .
وقال الدكتور آل طالب إن في الحج آيةُ خالقٍ في خلقه نادَوا معاً لبيك يا الله جاشت الصدور عند بلوغ مهوى الأفئدة وفاضت العيون برؤية الأماني وانقطعت القلوب إلا من رحمة الله، وخلت النفوس إلا من الشوق له تركوا الدنيا بضجيجها وزخرفها وخلافاتها وراء ظهورهم، وتكامل وفدُ الله ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم، وله يشكرون، يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا يزدلفون لأقدس مكان ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين, فيه آياتٌ بيناتٌ مقامُ إبراهيم, ومن دخله كان آمنا ) ويتحرون فضيلة الزمان ملبين النداء القديم المتجدد ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق, ليشهدوا منافع لهم )، ويؤدون ركن الإسلام الخامس ( ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا ) يلبون ويدعون، يأملون من الله القبول، ويرجون رحمته ويخافون عذابه .
وأضاف فضيلته قائلاً :” على هذه الصُعُدات تتنزل الرحمات وتغسل الخطايا ويعود الحاج نقيا كما ولدته أمه، وليس مكان في الدنيا له ميزة كهذا المكان, فاقدروا أيها المسلمون للبيت حرمته، وتلمسوا من الزمان والمكان بركته، فنبيكم صلوات الله وسلامه عليه يقول (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) متفق عليه, وفي الصحيحين أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) متفق عليه.
وأكد فضيلته أن هذه الأيام موسمٌ للطاعات والقربات، ومضمار للسابقين إلى الخيرات، أقسم الله بها في كتابه العزيز، فقال جل شأنه : ( والفجر وليال عشر ) الاجتهاد فيها أعظم أجرا، وأيامها أرفع قدرا، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم // ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء // , أخرجه البخاري . وعند الإمام أحمد ( فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) .
وقال إمام خطيب المسجد الحرام :” إنها أيامٌ تربي المسلم على إحياء السنن وتَنويعِ العبادات، والعودة إلى الله وتزكية النفوس، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم (ما مِن أيامٍ العملُ الصالح فيهن) يعني كلَ أنواع العمل الصالح، الذي ينهض بالروح ويربي النفس لتبلغ الكمالات، وتَظهَرُ في تجرد المسلم من أهواءه ودوافعه المادية وتُخَلصه من المظاهر الدنيوية .

وخاطب فضيلته حجاج بيت الله قائلا:” اقترب أَوَانُ شُرُوعِكُم في أعمال الحج، فتعلموا أحكامَ مَنَاسِكِكُم، وتحروا صحة أعمالكم قبل إتيانها، تفرغوا لما جئتم لأجله، واشتغلوا بالعبادة والطاعات، فإن ما عند الله لا ينال بالتفريط، أكثروا من الدعاء والتضرع، والهجوا بذكر الله في كل أحوالكم، فنبيكم صلى الله عليه وسلم يقول ” إنما جُعل الطوافُ بالبيت وبين الصفا والمروة ورميُ الجمار لإقامة ذكر الله”، رواه أبوداود والترمذي.
وأضاف قائلاً :” إذا وقفتم بعرفات فأكثروا من ذكر الله تعالى ودعائه، وتذللوا بين يديه، واسألوه خيري الدنيا والآخرة وألحوا في الدعاء وأعظموا الرجاء في ذلك الموقف العظيم، فإن الحج عرفة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال أيضاً: “خير الدعاء دعاءُ يومِ عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير”، رواه الترمذي.
وبين فضيلته أنه مَن لم يكن حاجّاً فيُستحَبّ له صيامُ يوم عرفة، محتسِباً أن يكفّرَ الله عنه السنة الماضيةَ والباقية، كما قال ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما مِن يومٍ أكثرُ من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) رواه مسلم.
وقال الدكتور آل طالب :” حجاج بيت الله الحرام لترتج هذه المشاعر بالتكبير والتلبية، ولتريقوا على ثراها دماء الهدي والأضحية وتضرعوا لله في ملكوته بأبلغ الثناء وأصدق الأدعية وسيروا كما سار أسلافكم في هذه الفجاج وتلك الأودية، واستشعروا أنكم في حرم هو لكل المسلمين غايةٌ وأمنية وباشروا نسككم مباشرة من لا أمل له بالعود وهو موادع، وقوموا بأعمالكم قيام من هو موقن بأنه إلى ربه راجع، فإنما هي تصرم ساعات وفوات لحظات، ثم هو في زمن غيرِ الزمن وأرضٍ ليست كهذي الأرض، وقد فرط الموسم وتقضت الأيام، وعادت به الركاب إلى حيث كان” .
وأكد فضيلته أنه في هذا المكان وبهذا المشهد تطوف على النفس معاني الأخوة والوحدة، وهي المعاني التي امتن الله بها على المسلمين في العصر الأول (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )، فكل فُرقة بين المسلمين هي مدد من عصور الجاهلية، وكل نزاع بينهم هي بعض أنفاس عصور الظلام وفيحٌ من هجيره، وبالتوافق تصلح أحوالُ كل الكائنات فضلاً عن الإنسان المسلم المأمور بها والموهوبة له سلفاً منةً من الله ورحمة وكل من أحدث بين المسلمين سبباً للتنازع والشقاق فقد كفر نعمة التأليف واقتبس حطباً من نار الجاهلية وعق قومه وغش أمته إن مقدسات الأمم وأعيادَها ضمانة لكل أمة، إنهم وإن اختلفوا جعلوها سبب اتفاقهم، وإن تنازعوا جعلوها نهاية افتراقهم.

وقال فضيلته :” أي مشهد أبهى من هذا التجمع الإيماني العظيم، فيه اجتماعُ الأمةِ وائتلافُهَا، وظهورُ قِيَمِهَا وأخلاقِها ( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) قيم التسامح والإخاء والبعد عن الخلاف والمراء، قيم المساواة والعدل والأخوة والمحبة, إنه نبراس لسبيل نهضة الأمة وقوتها ، والذي لا يتأتى إلا بالوحدة والاجتماع ، وتجاوز الخلافات والتسامح , إنه حج البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا ، ليُجمِعوا أمرهم وليوحدوا صفهم ، ولن تكون الوحدة إلا بالانتماء للإسلام الصحيح .
وأشار إلى أن الانتماء الإسلامي هو الشرف الباذخ والعز الشامخ، وأن أرهقته الليالي وأثقلته الأيام، فالإسلام هو الدين الذي توارث الأنبياء الدعوة إليه، والقرآن هو كلمة الله الأخيرةُ للبشر، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ورسول رب العالمين، فكيف يكون الانتماء إليه خفيض الصوت أو موضع الإهمال أم كيف تتقدم عليه انتماءات بشرية وأرضية، فيارب هيئ لنا من أمرنا رشدًا، واجمع أمة نبيك محمد على الهدى والسنة وألف بين قلوبهم، وأطفئ عنهم نار الفتن والحروب والخلافات وأنزل عليهم رحمتك يارب العالمين .
ومضى الدكتور آل طالب يقول: بُعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر كان فوضى في السياسة والأخلاق، ومتخلفاً في الحضارة والتعليم، وتائهاً في الغايات والأهداف ومع ذلك كله عَمَدَ صلى الله عليه وسلم أول ما قصد إلى الدعوة إلى التوحيد، وتصحيح العقائد في نفوس معتنقي الدين الجديد، ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ).
وأكد فضيلته أنه لا يجوز أن يُحوَّل الحجّ إلى ما ينافي مقاصدَه، فلا دعوةَ إلاّ إلى الله وحدَه، ولا شعارَ إلاّ شعارُ التوحيدِ والسنّة، فالدين دين الله والشرع شرعه، والواجب على من بلغه كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع الحق ويطرح ما سواه ، ولا يترك القرآن والسنة لقول أحد مهما كان ، والله تعالى يقول ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبَهم فتنةٌ أو يصيبَهم عذابٌ أليم ) وما وهنت الأمة إلا بقدر ما تسرب إليها من البدع والمحدثات واتباع الهوى .
وقال فضيلته :” حجاج بيت الله الحرام، لقد كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مواطنُ يُكثِرُ فيها من الدعاء، حريٌّ بالمسلمِ الحرصُ عليها، منها يومُ عرفة، وبالأخصّ آخرَ النهار، وبعدَ صلاةِ الفجرِ بمزدلفةَ حتى يُسفِرَ جدّاً، وبعدَ رميِ الجمرة الأولى وبعد رمي الجمرة الثانية من أيام التشريق، وكذا الدعاء فوق الصفا والمروة فاجتهدوا في تمام حجكم، واتّقوا الله فيما تأتون وتذَرون، وأخلِصوا لله في عملكم وقصدِكم، واتّبعوا الهُدى والسنة، واجتنبوا ما يَخرِمُ حَجّكم أو يُنقِصُه، وعليكم بالرِّفق والسكينة والطمأنينة، والشفَقة والرحمة بإخوانكم المسلمين، سيما في مواطن الازدحام، وأثناءَ الطوافِ ورميِ الجمار وعندَ أبوابِ المسجِد الحرام ، واستشعروا عِظمَ العبادة وجلالة الموقف .
وأوضح فضيلته أن الدولةَ بِرِجَالَاتِهَا وأجهزتها ومؤسساتِها، تبذُلُ جهوداً هائلة لخدمة حجاج بيت الله الحرام وتيسير حجهم ، مؤكداً أن النظامُ وُضِعَ لمصلحتهم ، والجهودُ كلُها لأجلهم، داعيا إلى الالتزام بالتوجيهات، واتباع التعليمات، واستشعار عظمة المكان والزمان والتزام السكينة والوقار والاجتهاد في العبادة والإخلاص لله سبحانه سائلاً الله أن يتقبل منهم صالح الأعمال .

وفي المدينة المنورة أوضح فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري بن عواض الثبيتي أن اكتمال جمال الإنسان يكون بصلاح المخبَر الذي يبرز حسن المظهر, ونقاء الجوهر الذي يثمر طيب المنظر,
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم إن المظهر هو محل اهتمام الخلق ومنتهى إدراكهم لكن المخبر هو محل نظر الله تعالى, فقال سبحانه وتعالى” يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ”, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم).
وبيّن أن الله عز وجلّ خلق الإنسان في أحسن تقويم, فأنعم عليه بالمظهر الجميل, والمخبر السويّ الجليل, فكلما كان المخبَر قويّ الصلة بالله, أزهر حباً وقبولاً, فما من عبد امتلأ مخبره بحب الله إلا نال قبول القلوب في السماء والأرض, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله إذا أحبّ عبداً دعا جبريل فقال : إني أحبّ فلاناً فأحبه, فيحبه جبريل, فينادي في السماء فيقول, إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء, قال : ثم يوضع له القبول في الأرض).
وأشار إلى أنه في يوم القيامة يستقصي الإنسان مظاهر العباد ومخابرهم, إذ قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً).
وقال إن هذا الفهم العميق يجعل المسلم يعمل على إصلاح مخبره الذي يقوم على النية الخالصة للمعبود, فالنية سرّ العبودية, كما أن عبادة الله بالمظهر تقوم على صلاح الاتباع والاقتداء, فقال تعالى ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.
وأكد فضيلته أن العبادة تربّي المسلمين مظهراً ومخبراً, والمتأمل في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد العناية بالمظهر والمخبر ومن ذلك وقوف المسلمين بين يدي ربهم بتسوية الصفوف واعتبار إقامتها من إقامة الصلاة, حيث ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر الناس بتسوية الصفوف ويقول ( عباد الله, لَتسوُّن صفوفكم أو ليخالفَنّ الله بين وجوهكم).
وقال فضيلته : “ونرى في أعمال مناسك الحج العناية بتطهير المظهر وتنقية المخبر, فخروج المسلم للحج قاصداً بيت الله الحرام يمثّل أجلّ صور الاستجابة لله مظهراً ومخبراً, واللباس والنية والتلبية والذكر تؤكد هذا المعنى”, فقال الله تعالى “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”.
وأوضح, أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم جلّل في خطبة حجة الوداع قيمة المخبر في الإٍسلام وأنه محل نظر الله’ قائلاً ( يا أيها الناس إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربي على عجمي, ولا لعجمي على عربي, ولا لأحمر على أسود, ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى, إن أكرمكم عند الله أتقاكم), مؤكداً أن المؤمن مأمور باجتناب المعاصي مظهراً ومخبراً, قال الله تعالى “قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ”.

وقال الشيخ الثبيتي : بهذا نعلم أن نظافة المظهر وطهارة المخبر يفضيان إلى طهارة المجتمع المسلم, وسمو الأخلاق, وتهذيب السلوك, وفي علاقة المسلم بأخيه المسلم مظهرٌ ومخبرٌ يظهر عند اللقاء بشاشة, وعناقاً يصاحبه في المخبر دعاء ظاهر بقلب صادق, يظهر الودّ مع طيب سريرة نفس, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل) والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده مظهراً, وسلموا من حسده وحقده مخبراً, فقال صلى الله عليه وسلم ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً, المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ).
وبيّن أن الأخوّة تقتضي نصرة المسلم لأخيه, مظهراً باللسان والقلم, ومخبراً بالقلب والفكر, مشيراً إلى أنه يجب على كل مسلم مناصرة قضايا المسلمين بالمال والجاه والرأي والتضرّع إلى الله, قال الله تعالى “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى? أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ”.
ولفت إلى أن المسلم إذا أراد إصدار حكمه فليس له أن يتتبّع مخابر الناس, والترصّد لها, فالله يعلم بالسرائر, وحسابه على الذي لا تخفى عليه خافية, فقال عليه الصلاة والسلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
وحذّر فضيلته من التعرّض لمخابر المسلمين والحكم على نواياهم لما في ذلك من انتهاك لحرمتهم, مبيناً أن هذا العمل يجرّ إلى التساهل بأعراض المسلمين واستباحة دماءهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين الذين يظهرون الإسلام معاملة المسلمين, ويجريهم على أحكام الإسلام الظاهر, مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن.
وأشار إمام وخطيب المسجد النبوي إلى أن أثر الإيمان يظهر عند الابتلاء, بالصبر في المظهر واحتساب الأجر في المخبر, فلا تتمادى جوارح المسلم أو ينسى الأدب مع ربه ومولاه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن القلب يدمع وإن العين تدمع ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
وأكد فضيلته أن السباق نحو الجنة لا يكون الفوز إلا على صلاح المخبر مع أهمية المظهر, فبصلاح المخبر سبق السابقون وارتقى الواصلون, قال الله تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ”.
وقال الشيخ إن من واسع رحمة الله عز وجلّ أن سخّر له محطات إيمانية يتزود فيها بما يزكّي بمخبره وينمّي مظهره, ومن هذه الأيام العظيمة والمباركة والتي يتضاعف فيها الأجر والثواب, أيام عشر ذي الحجة, إذ قال الله تعالى ” والفجر وليال عشر” وقال عليه الصلاة والسلام ( مالعمل في أيام أفضل منها في هذه, قالوا ولا الجهاد, قال ولا الجهاد, إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء), مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أيام عشر من ذي الحجة (أكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد), فيسنّ التكبير المطلق في هذه العشر وسائر أيام التشريق من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق, والتكبير المقيّد يبدأ من فجر يوم عرفة إلا غروب شمس آخر أيام التشريق, وأوضح فضيلته أن من أعمال العشر صيام يوم عرفة لغير الحاج, ,هو أفضل الصيام, قال صلى الله عليه وسلم ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة والسنة التي بعده ومن الأعمال التقرّب إلى الله تعالى بذبح الأضحية, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما تقُرِّب إلى الله تعالى يوم النحر بشيء هو أحبّ إلى الله من إهراق الدم).

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة