الله يسامحك! | صحيفة المناطق الإلكترونية
السبت, 7 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 25 نوفمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

الله يسامحك!

الله يسامحك!
علي القاسمي

سقطت بين يدي عبارة تقول «ورقة كتب في وسطها الله يسامحك لمن تهديها؟». هذه العبارة على عفويتها عميقة في ظل ارتباك مفاهيم التسامح وعصيان الذات نحو الاقتناع بهذا المفهوم كسمو ونبل وانتصار حقيقي للوعي. نقلت العبارة على هيئتها وبنصها العفوي لمن جمعتني بهم وسائل التواصل الاجتماعي ومن يحدث بيني وبينهم حوار دائم، على رغم المسافات التي يقول عنها أحدهم «اللهم عليك بالمسافات فإنها لا تعجزك». ثمة متعة من دون أدنى شك في تناول التفاعل المختلف والمتباين مع العبارة ومصيرها في وجدان شرائح اجتماعية مختلفة، وهناك إشارات بالغة التأثير تُقتبس من الطريق الذي تسير به الإجابات وحبال التعبير والتفكير. كنت أسأل قبل فكرة تمرير العبارة على المحيطين، ماذا ستحيي فيهم؟ هل تنبش بأرواحهم الجراح؟ هل ستجعلهم يميلون لمفهوم التسامح فعلاً؟ أم يكتفون بنطقه وإن لم يمثل واقعاً ويتفاعلون فقط وفق ما تتطلبه أدبيات سؤال حرج.

من الطبيعي أن يتطلع الآخرون لمعرفة ما هي الإجابة التي مال لها المتعطش للأجوبة والمفتون بفطرية سؤال، كتبت لأكثرهم إلحاحاً: أقول «الله يسامحك» لمن كان يسمع عني ولم يسمع مني، أقولها للذين يظنون السوء ولم يكونوا مجبرين على تغليب الظن، أقولها لمن حاول لسنوات أن يعطل تفكيرنا ويتعامل مع أي طرح جديد بوصفه تهديداً وعبثاً وتفتيتاً ومحاولة لطعن النسيج وشق الصف، أقولها أيضاً للذين تعاملوا مع قلوبنا كمواد مرحلية يجب استنزاف ثرواتها ثم التفتيش عن غيرها.

أعود لأقول إننا نتعامل مع التسامح كمصطلح مربك، حين يداهمنا أحد بهذا المصطلح لا نملك إلا نقول «نحن نسامح» وبكل ثقة، لكن الرغبة الصادقة تختفي خلف حواف السؤال وحدود الورق. التسامح ليس فعلاً سهلاً ولا مشروعاً تنظيرياً يؤخذ في غفلة ويطرح على غفوة، هو مصطلح يعيد تأثيث أرواحنا ويعيد في الوقت ذاته طريقة التفكير التي نتعاطى بها مع حياة جادة ومفاجئة، وبمقدار ما نتعطش لهذه الحياة فإنها تمرر لنا الخيبات والخيانات.

لن أبحر في إجابات كانت تمثل لي استفزازاً أو استغراباً، فلكل زاويته التي ينظر إليها والنبض العابر به لأن يحمل هذه العبارة بتبعاتها وتفاصيلها وأسرارها للمساحة التي تريحه تماماً، لكني أحب الشجاع الذي قالها للنفس بحكم أنها معنية بكثير من تخبطات الحياة والتحولات الجوهرية، وتوقفت جبراً عند من أراد قولها لمعلمه الذي حدثه كثيراً عن عذاب الله ولم يحدثه عن رحمته، وابتسمت حقاً برفقة الذي رأى أن يدس العبارة في جيبه، وحبست أنفاسي عند إجابة صديق قريب جداً حين رأى أن يمنحها لي بالمقام الأول، لأني أعطيته ورقة واحدة وهو في حاجة لقبيلة من الأوراق، السطر الأخير يقول إن مسؤولية التسامح تقع على عاتق من لديهم أفق أوسع، شريطة أن نتجاوز لما هو أبعد من حبر العنوان.

نقلاً عن: alhayat

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة