السعودية المتوثبة | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأربعاء, 4 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 22 نوفمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

السعودية المتوثبة

السعودية المتوثبة
د. أحمد آل مفرح *

منذ توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز يرحمه الله واجهت الدولة تحديات كبيرة؛ فصدت أطماع توسعية متعددة وقطعت أيادي خائنة متربصة وتعاملت بكفاءة مع الهزات الاقتصادية العالمية ومع التقلبات السياسية الدولية فأشتد عودها وتجذر بنيانها مما مكنها من الاستقرار واستتباب الأمن مقروناً بحراك تنموي لافت في كافة المجالات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الْيَوْمَ، لم يتأت ذلك إلا بتوفيق الله ثم بعزم وحرص حكام هذا الوطن الذين تعاقبوا على الحكم وحزمهم لمواصلة واستمرار العطاء والنماء وتلمس كل ما من شأنه النهوض بمكانة المملكة وشعبها.

وقد عرف عن المملكة العربية السعودية وعلى مر وتعاقب العقود إنها لا تتصادم مع التطور والعصرنة بل تستجيب وبشكل مُلفت وفاعل وبمرونة عالية لمتطلبات العصر وتحولات الحضارة المتسارعة دون انفصال أو انفصام عن الإسلام الذي ارتضته الدولة منطلقاً راسخاً لحكمها الرشيد ومشعلاً مضيئاً لحضارتها ورقيها، وركيزة لدستورها وعنواناً لرفعتها وعلامة فارقة لمجدها وهويتها. لم لا والإسلام دين كل زمان ومكان بمعتقده الوسطي السمح وما يدعوا إليه من قيم ومبادئ وما يرغب فيه من تعايش وسلام ورخاء للإنسانية، فانعكس ذلك بجلاء على وسطية واعتدال منهج الدولة وسياساتها الداخلية والخارجية، فكان الدين الحنيف داعم أساس لكل ما وصلت اليه الدولة الْيَوْمَ وما ستصل إليه في مستقبلها الواعد بحول الله، ولم يمثل الإسلام وتعاليمه يوماً ما عائقاً أمام الحضارة والتقدم والإزدهار، فهذه الأندلس في قلب أوربا المعاصرة دليلا ماثلاً على صحة ذلك.

وها نحن الْيَوْمَ نعيش معاً طلائع التحول الوطني 2020 ونستشرف رؤية 2030، ونستشعر حجم الوثبة السعودية الكبيرة للانطلاق نحو آفاق أرحب لتحقيق حلم لطالما انتظرته الأجيال، تلك الوثبة الجبارة التي أدهشت العالم بطموحها وقوة اندفاعها ووضوح غاياتها وسمو أهدافها وشمولية رؤيتها وبرامجها ومشروعاتها، وثبة شابة وجادة تضخ دماء جديدة في شرايين التنمية المختلفة، فكان لابد وأن يكون لتلك الوثبة اللافتة دوي يزعج ويصم آذان الحاقد ويوقظ الخامل من سباته، ويبهر المتابع، وَيَشْف صدر المحب والصديق. إن هذه الوثبة محسوبة الأبعاد والأهداف، وكان لابد من اتخاذها، شئنا أم أبينا، استجابة لمتطلبات العصر وتمشياً مع تطلعات وسياسة الدولة المنفتحة وتحقيقاً لأهدافها التنموية الطموحة.

إن هذه الوثبة السعودية التي نعيش تفاصيل أحداثها مطلب حتمي فرضه الواقع لمزاحمة عالم الْيَوْمَ والتناغم مع إيقاعه المتسارع في زمن ثورة الاقتصاد المعرفي والانفتاح التقني والانصهار المجتمعي والتكتل السياسي العالمي والتدهور الأخلاقي الإنساني، في عالم متغير وثائر على كل شيء لا مكان فيه للمتفرج أو الخامل ولا مجال فيه حتى للمواجهة أو لصد قوة اندفاع ثورته الجارفة فتوجب علينا التعامل والتماهي مع كل ذلك بفطنة ويقظة، فنحن بعون الله وقدرته نملك كل أدوات التعايش مع هذا الحراك الجبار، بل ولدينا مقومات الإبداع والمنافسة والنجاح طالما تمسكنا بديننا وثوابته الراسخة وراعينا المجتمع وقيمه وهويته ووحدة نسيجه، فكما نحن مطالبون للذب عن الدين الحنيف وتنقيته من شوائب البدع ومن أطماع الطائفية وأجندة الحزبية ومن أتون الغلو ومن أهواء التفريط والانحلال، ومطالبون كذلك بحماية المقدسات والذود عن الوطن ومكتسباته، فكان لزاماً علينا الأخذ بزمام الأمور والبدار ومواصلة قيادة العالم الاسلامي -فنحن أمله ومحط أنظاره بعد الله- والإنطلاق بثقة دون إنهزامية أو تقاعس أو تجاهل أو تردد، فلابد لنا من العزم مقروناً بالحزم، ومن القول مدفوعاً بالعمل، والاستعداد للتضحية بأي جزء من الجسد إذا ثبت مرضه واستعصى علاجه، والتعامل مع الآثار الاجتماعية والاقتصادية جراء هذه الوثبة والتي تضمنت العزم على استئصال شأفة الفساد وضرب هامته بسيف العدل دون هوادة أو شفقة ومحاسبة المسؤولين عنه أياً كانوا، فكان الأمر الملكي بالأمس والقاضي بتشكل لجنة عليا لحماية المال العام برئاسة سمو ولي العهد أحد أهم أدوات الإصلاح لإعادة ترتيب البيت من الداخل ليكون أكثر صلابة ومتانة للتعامل مع معطيات المرحلة القادمة الهامة، ولأنه، وكما ثبت في الأدبيات، لا إصلاح دون إزاحة الفساد من طريقه مهما كلّف الأمر، لأن الفساد هو حاضن المحسوبيات وهو المسؤول الأول عن تبديد المال العام ومعول تعطيل التنمية وهو أحد أبرز عوامل فشل الدول، فكان لزاما علينا تقدير كل الإجراءات المتخذة و الالتفاف حول قيادتنا، وفي ذات الوقت علينا إهمال من رأى التقاعس والتخلف عن مواكبة هذه الوثبة الحتمية ولم يدرك -أو لم يرغب معرفة- أبعادها والأخطار المترتبة من عدم اتخاذها.

إن مكاننا ومكانتنا وإمكاناتنا تفرض علينا السير إلى الإمام مهما كان مراً أو شاقاً أو حتى غامضاً، فلا مجال للتباطؤ أو التقاعس أو التراجع، فإما أن نكون أو لا نكون ، فالحروب بكل أشكالها العسكرية والفكرية وبكل أساليبها التقليدية والذكية، المعلنة منها والخفية موجهة ضدنا وتقرع الأبواب، مما يحتم علينا النجاة بسفينتنا في هذا المحيط الهائج والمائج المليء بالأحقاد والأطماع والمؤامرات، وعلينا أن نثق بما لا يدع مجالاً للشك أن الوثبة السعودية الْيَوْمَ، مع كونها حتمية، فهي مدروسة بعناية حتى لو رأى البعض غير ذلك.

إن الإبحار والمناورة في هكذا ظروف تحتاج إلى خارطة طريق دقيقة وواضحة المعالم، وتحتاج إلى ربان فذ متمرس وقائد جري يتخذ القرار المناسب في الوقت الصعب بسياسة الممكن وبدبلوماسية الروية، ويحسب عواقب الأمور من منظار الرؤية الثاقبة، لنصل بحول الله إلى بر الأمان، كل ذلك متحقق بفضل الله ثم بحنكة وتمرس قيادتنا الواعية التي تدرك حجم الأخطار المحدقة ومآلات الأمور، وتدرك أبعاد التحديات، وهي في الوقت نفسه تمتلك أدوات الرد والردع، وهي جديرة باستخدامها الاستخدام الأمثل ، فعلينا الاعتماد على الله أولاً الذي بيده كل شيء ويرجع إليه وحده تصريف الأحوال ليقضى بحكمته وعلمه كل أمر: ” … ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور”، ثم علينا الثقة في قيادتنا وحكومتنا التي اثبتت عبر العقود الماضية وإلى الْيَوْمَ قدرتها على تحقيق الأمن والسلام للدولة وتجنيبها كل ما قد يزعزع استقرارها ورخاء شعبها، ولندرك جمعيا دون استثناء إنه إن لم نهتبل الفرص السانحة في هذه الظروف الحالكة وإن لم نتعامل ونتفاعل بسرعة مع تلك الأخطار فإن حجمها المدمر سيتضاعف ولن يقف أمامه شيء ولن يتصدى له أحد، وإن غيرنا سينتزع تلك الفرص ويقتنصها ويصعب علينا حينها استخراجها من بين أنيابه الشرسة والحاقدة وسيستغلها ضدنا، ثم نتباكى على فقدانها لا سمح الله، فحري بأن يكون التغيير بأيدينا وتحت سيطرتنا ووفقاً لرؤيتنا وتمشياً مع تطلعاتنا من منطلق “بيدي لا بيد عمرو”، وألا يتاح أو يسمح لإي جهة أو أحد أن يفرضه علينا، فنحن أعلم بشؤوننا.

والله أسال أن ينفع بكل خطوة وبرنامج ومشروع وأن يجعل فيها الخير لوطننا وشعبنا وأن يعم نفعه البشرية .

*عضو مجلس الشورى السابق

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة