القدس ومعضلتا “الغضب والعاطفة”

القدس ومعضلتا “الغضب والعاطفة”
http://almnatiq.net/?p=507136
م.علي القاسمي

لم ولن يكون قرار السيد ترامب في شأن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو القرار الأول أو الأخير الذي يجمع غضبنا ويوحد عاطفتنا ويجعلنا ننظر خلسة إلى طاولة واحدة. الاجتماع العاطفي ولأقُلْ «الشكلي» هو شأن عربي شهير ومحاط بجمل الشجب والاستنكار والتنديد الأشهر، وهي الجمل التي تموت عند النقطة الأخيرة من الحبر الذي تكتب به. ثمة أشياء عنيفة جداً حين تقرأ في شكل دقيق وبعيداً عن الضياع العربي العاطفي، أحدهم كتب قائلاً بمعية هذا القرار: فعلها ترامب ورب الكعبة، سيدعون عليه في المساجد يوم الجمعة، سيأخذ الكثير هذا السطر من الزاوية الضيقة وهي الانتقاص من قدر الدعاء من دون أن ينظر من الزاوية الكبيرة وهي أن يكون الدعاء منزوعاً من التغافل والإهمال والخيانة وأن نعرف في حضرته الرب في الرخاء قبل الشدة.

ما يمتلئ الرأي العام به في اطار القرار وملحقاته يتمثل في التنبؤ الكبير حيال أن يكون صراع الشرق الأوسط مفتوحاً أكثر من ذي قبل، وتوقع مزيد من الاضطرابات مع التذكر الدائم الذي يسوقه العقلاء في ان الأيام المنزوعة البياض والمنعطفات الحادة تكشف أن من يتاجرون بالقضية الفلسطينية ليسوا بعيدين منها، ويجدونها القضية الجيدة لبث الأحقاد ونشر الأمراض النفسية، والتأكيد أن هذه القضية لم تمض للسواد إلا نتاجاً للتهتك في الأوضاع العربية والمقومات العظيمة لديهم على صعيد التناحر والتخلف والانقسام والتهور واستخدام العضلات المستعارة طيلة عمرنا مع القضية الفلسطينية.

هناك من يضع قضيته في أحضان الغريب ويطالبه بأن يحافظ عليها جيداً لكونه منشغلاً عنها بالجولات والمحادثات والنقاشات والتأكيدات، وهناك آخرون يرسمون أهدافهم في شكل دقيق ويضعونها في سلم الأولويات والاهتمامات، وبالطبع فريقنا العربي ليس من الذين يرسمون الأهداف ولا يحملون الأولويات والاهتمامات لأن عقولهم حين تحضر اللحظات الحاسمة ما بين مؤجرة أو منشغلة بما هو أدنى وأقل.

يقول قائل إن قرار ترامب قد يعيدنا إلى دوائر الظلمة ومناطق الخيبات ومربعات النزاع والتآمر، ولا أرى أن هذا القرار يعيدنا إلى شيء لا نعيشه، هو يرمي كرات إضافية بالوزن والشكل ذاتهما لنلعب بها مجدداً ليس إلا، مع فارق ان غضبنا العربي أعلى صوتاً وأكثر ضجيجاً، ولا يمكن القول إنه غير مسبوق، لكون غضبنا على طول الطريق الرابط بين استفزارنا المستمر وعبث الآخرين بعواطفنا وإدراكهم ان قلوبنا تعاني بالقدر ذاته الذي تعاني منه عقولنا. سيذوب السلام، والعالم سيتعاطف معنا أيضاً ويرفض هذا القرار، وقد يتصاعد العنف، لكن أن يرتفع مؤشر المزايدة والمساومة على داعمي القضية الفلسطينية ويكون رد فعل العرب عن تبعات القرار الترامبي متاجرة حقيقية ضد العقل والتاريخ والمواقف، فذاك ما يجعلنا نؤمن أن من بيننا من يرقص على الجراح ويقتات على الغضب، ويفرح بتهويد القدس. القوة ووحدة الصف وترتيب قضايانا- لا مصالحنا- لا يمكن ان يقوم بها ترامب ولا فريقه بل يبني على هشاشة كل هذا ما يجعله الطرف الأقوى في قضية عمرها هو عمر الخلافات والضياع والتفكير الضيق وتضخّم الجدل والفشل.

نقلاً عن: alhayat.com

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة