احدث الأخبار

تفاصيل اللائحة التنفيذية لنظام “كود البناء السعودي”
أبرز المواد
رئيس أمن الدولة يفتتح الملتقى الأمني الخامس
أبرز المواد
جامعة شقراء : قبول أكثر من (6800) طالب وطالبة في مختلف التخصصات
أبرز المواد
محافظ العقيق يشهد انطلاق ملتقى شبابنا غالي الثاني
منوعات
السعودية للصناعات العسكرية توقع اتفاقية شراكة مع “نافانتيا” الإسبانية لبناء 5 سفن حربية
أبرز المواد
عمل وتنمية الرياض يعقد عدة لقاءات تعريفية لـ”21″ مفتشة ميدانية
منطقة الرياض
الجهات الأمنية تتمكن من القبض على 1628 متهماً خلال النصف الأول من العام لتورطهم في جرائم تهريب واستقبال ونقل وترويج المخدرات والمؤثرات العقلية
أبرز المواد
المملكة ترفض وتستنكر إقرار الكنيست الإسرائيلي القانون المسمى ” الدولة القومية للشعب اليهودي”
أبرز المواد
المعلمي يحتفي برئيس ديوان المراقبة العامة
أبرز المواد
مركز الملك سلمان للإغاثة يوزع 3500 كرتون من التمور في مديريتي الغيل والحزم بمحافظة الجوف
أبرز المواد
مجلس الأمن : حكومة الوفاق الليبية هي المشرف الوحيد على المؤسسات الاقتصادية والمالية
أبرز المواد
انفجار غامض في معمل صناعي يقتل شخصين وسط إيران
أبرز المواد

القصف الذهني

القصف الذهني
http://almnatiq.net/?p=602073
د. أحمد بن سعد آل مفرح

لو تأملت وراجعت كل المعلومات التي وصلتك، أو تلك التي أطلعت عليها من خلال أوعية ‏الإعلام والتواصل المختلفة، سواء بالقراءة أو المشاهدة أو الاستماع، وذلك خلال الأربع وعشرين ساعة ‏الماضية فقط، فكم من تلك المعلومات كان أصلاً ضرورياً ومهماً لك؟ وكم تبقى في ذهنك منها؟ وكم من الوقت الذي استهلكته منك لمطالعتها؟ وهل استطعت أن تستوعب وتتفحص تلك المعلومات ومصادرها ومصداقيتها؟ وما الرصيد المعرفي الذي أضافته لك؟ والأهم ما الاتجاهات والمواقف التي خلفتها وتبنيتها، سلباً أو إيجاباً، ضد أو مع آخرين؟

أننا نمر هذه الأيام بقصف فكري ذهني شديد لا يدع مجالا للتفكير أو التحليل أو التدقيق في كل أو جل المعلومات الواردة إلى أدمغتنا، فشِلت قدرتنا على تبني مواقف مناسبة حول ما ورد ضمنها من رسائل مبطّنة أوموجهه!، إن هذا القصف أثّر كثيراً على أدمغتنا وعقولنا، وتولد عن ذلك معاناة ذهنية كبيرة  أثرت على أوعية التركيز لدينا، فبالإضافة إلى الكم الهائل من المعلومات فإنه يبرز بينها التناقض بل والتضاد العجيب الذي أدى إلى الّتشتُت الذهني واللبس، مما أثر على مصداقية المعلومات فشكلت مصدراً للانزعاج، وكانت مثاراً للشك، ومنطلقاً لزعزعة ثقتنا بالرصيد المعرفي والمخزون الثقافي التراكمي، فولد لدى البعض تذبذباً واضحاً في مواقفه؛ فمن يصدق؟ وبمن يثق؟.

‏أثر هذا القصف كذلك على القدرة على اتخاذ القرار نظرا لاضطراب وتضارب المعلومات، فأصبح التردد والتراجع والتذبذب في المواقف سمات ملازمة لكثير منا اليوم في أبسط أموره الخاصة، في غياب ذهني واضح، فلا يعلم أحدنا -مثلاً- ماذا يريد أن يشتري أو يرتدي من ملابس، وقد يقف حائراً أمام أرفف المواد الغذائية لنسيانه ماذا يحتاج، أو ماذا أُرسل ليحضره معه!، وقس على ذلك أموراً حياتية أهم وأعقد.    إن هذا القصف الذهني المركز سلب التركيز من الدماغ وجعل من البعض أدوات طيّعة صدّقت وهج المعلومة فاستسلموا لها، ولمن يقف خلفها، وأصبح من السهل اقتيادهم حيث أراد مالك المعلومة ومصدرها، فلا غرابة أن تجد الكثير من الشباب ينساقون خلف الدعايات البراقة ويستسلمون للشهوات، وينبذون القيم ظهرياً، ونرى في المقابل شباباً متطرفاً يقاد إلى مناطق الصراع أو يخرجون على الحكام وولاة الأمر ويعقون الأوطان بحجج واهية، كل ذلك من نتاج القصف الفكري المحموم الذي أدى إلى فسادهم وإفساد أوطانهم ومجتمعاتهم!

إن القصف الذهني هذا ما هو إلا أداة من أدوات ما يعرف بالحرب الذكية، التي استهدفت مراكز التحليل وبؤر الذكاء وقاع العقول، بعدما استعمرتها وحشتها بمعلومات شاردة ومنقوصة ومشوهة فصنعت من الأجساد التي تحمل تلك العقول قنابل موقوتة توجهها أيادي الاستعمار الفكري باقتدار وبأقل تكلفه وتزج بها في كل زاوية من زوايا الصراع في عالمنا المعاصر، أو تجعل منهم قوى عنيفة ثائرة على الأوطان ومعتقدها وهويتها ومقدراتها، وهذا هو أهم الأخطار.

إن هذا القصف أثر أساساً على استقرار الأسر، وأصبح الشاب أكثر عزلة يعيش التشتت والتردد والتذمر والتذبذب ويساوره الشك في كل شيء، والوجل من كل شيء، وهذه سمات واضحة اشترك فيها كثير من مجتمعات اليوم حيث غلب عليها التذمر والتعاسة والعدوانية وانتشرت فيها الكراهية وطوقتها ضبابية قاتمة في الرؤية!   ‏

لقد أتاحت، بل ويسرت أدوات القصف الذهني والمتمثلة في الأجهزة المحمولة الذكية وبرامج الألعاب الإلكترونية وأسلحة الاقتتال الافتراضية التغلغل في أدمغة أطفالنا الطرية واستحوذت على أفكارهم بشكل شامل وجرفت سلوكهم بمباركة منّا، وفي غفلة من أهدافها الفكرية الهدامة وبالتقليل من خطرها الصحي والنفسي الداهم على الكبير قبل الصغير.

لقد عاش أطفال اليوم منذ وقت مبكرة التشتت الذهني وضعف الإدراك وضبابية التركيز وضحالة المعارف وهشاشة المعلومة واهتزاز المبادئ والقيم، لأنهم أدمنوا حمل الأجهزة واستخدموها حتى في الصلاة وعند قيادة السيارة وأثناء السير على الأقدام وفي السرير ودورات المياه وفي كل مكان…، ألم تقتل هذه الأجهزة مئات الشباب في حوادث سير أو مرور أو حريق منزلي أو صعق كهربائي؟!، بل تعدى ذلك إلى قتل الرضع الذين يعبثون بها بعد وضعها في أحضانهم البريئة لإسكاتهم عند إطعامهم أو عند نومهم!! فكيف سيكون مستقبل الجيل إن استمر الحال على ما هو عليه؟ ألا نصدق إن ما يحدث لأطفالنا وشبابنا هو ضرباً من ضروب الحروب الفتاكة المستعرة التي تسللت من أبوابنا وثغورنا الخلفية بعدما استعصت ثغورنا الأمامية على الغزاة والطامعين وجحافل العسكر؟!.

إن هذه الحرب الذكية المدروسة يجب أن يتم الالتفات لها بحزم وجدية، فهي لا تقل عن الحرب العسكرية ضدنا، ولابد من مواجهة نيرانها الليزرية الحارقة بحرب مضادة لا تقبل الهوادة، فهي حرب إبادة فكرية أشد فتكاً من حرب أسلحة الدمار الشامل التي تستخدم في العلن وبين جيشين متحاربين وأثرها يظل محدوداً بينهما، أما الحرب الذكية تلك فهي تستهدف الجميع دون استثناء وضررها على الناشئة وجيل الغد الواعد أكثر فتكاً وتدميراً حيث أنها تستهدف أغلى ما يملكه الإنسان وهو “العقل”.

أعلم أن هناك جهوداً مبذولة كبيرة تقوم بها الدولة ولعل من أبرزها إنشاء هيئة الأمن السيبراني  والاتحاد السعودي للأمن السيبراني والهيئات الأمنية والتقنية المتعددة وكل ما من شأنه تثقيف الشباب وتوعيتهم بخطر الحرب الذكية، ولكن الدور الأسري يظل أهم من ذلك بالتوعية والتوجيه والمراقبة والترشيد في اقتناء واستخدام تلك الأجهزة، وبوصفنا أولياء أمور وحماة الأبواب الخلفية علينا أن نعمل بحزم وجد على إعادة أطفالنا إلى محاضن البراءة وواحات الأمن الأسري وإبعادهم عن أجهزة الدمار الذهني ليستمتعوا بطفولتهم وننعم بقربهم ويجب ألا نلتفت لمن يقول إنها مجرد أجهزة تثقيف وتسلية وتعليم ليس إلا، وهي كذلك حال توجيهها، ولكنها مع الأطفال ووقعهم المعاش فهي أدوات دمار وضياع خصوصاً إذا ما تركوا معها لساعات طوال أثناء هذا الفراغ الصيفي من دون ضبط ورقابة.

لقد أثبتت الدراسات الطبية والصحية الحديثة أن لتلك الأجهزة والألعاب أثارها الصحية والنفسية السلبية الكبيرة على الناشئة وستؤدي بهم إلى الإدمان الالكتروني، فتشل حركتهم وتفسد تربيتهم وتشتت أذهانهم ويتحقق للأعداء أهدافهم ويهلك شبابنا..

فيأيها العقلاء أنقذوا الأبرياء من مخاطر القصف الذهني قبل فوات الأوان، فأنتم اليوم تملكون ذلك وغداً قد تندمون على تفريطكم لا سمح الله.

 

*عضو مجلس الشورى سابقاً.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة