احدث الأخبار

النيابة العامة وكيلة المجتمع وحارسة مكتسباته

النيابة العامة وكيلة المجتمع وحارسة مكتسباته
http://almnatiq.net/?p=892790
هادي اليامي

تشهد الساحة القانونية في المملكة خلال هذه الفترة نشاطا ملحوظا للنيابة العامة، يهدف بالأساس إلى تغيير المفاهيم المغلوطة وتصحيح الأفكار الخاطئة لدى البعض، ووضع حد لكثير من الذرائع الواهية والحجج غير المقنعة التي يحتمي بها كثيرون لتبرير أخطائهم ومحاولة التنصل من مسؤولياتهم. هذا النشاط الكبير غير مستغرب من هذا الجهاز الهام الذي حقق الكثير من الإنجازات منذ إعادة هيكلته قبل سنوات قلائل، ليسهم في ترقية وتعزيز النظام القضائي الذي يشهد بين كل فترة وأخرى إصلاحات كبيرة، لحفظ الحقوق وردّ المظالم وتحقيق العدالة. خلال الأسبوعين الماضيين تصدت النيابة العامة عبر بيانات رسمية لكثير من المستهترين الذين لا زالوا غير قادرين على استيعاب أو إدراك المتغيرات التي تعيشها المملكة في عهد سلمان الحزم والعزم، دون أن يستوعبوا أنه لم يعد هناك مجال للتغاضي عن تجاوزاتهم التي عانت منها بلادنا الكثير.

 

من أكثر القضايا التي توليها النيابة أهمية قصوى التصدي لمحاولات بعض الذين أصيبوا بعمى البصيرة وتمكّن منهم شيطان التعصب، فانطلقوا يحاولون إثارة الكراهية والطائفية وتأجيج النعرات المذهبية، انتصارا لعصبية مقيتة وأفكار بالية عفا عليها الدهر. خلال الأيام الماضية انبرت النيابة بكل حزم لهؤلاء، وأوضحت أنه بناءً على ما تم رفعه من قبل مركز الرصد النيابي، بشأن مقطع فيديو متداول يُظهر قيام أحد الأشخاص بالتحريض المذهبي والشحن الطائفي وإثارة التعصب الديني، ونشر روح الكراهية والعداء بين أفراد المجتمع، فقد تم القبض على المذكور استنادا على ما تقتضيه المصلحة العامة، وعملاً بالمادتين (15 و17) من نظام الإجراءات الجزائية، ومباشرة التحقيق معه تمهيدا لتقديمه لمحاكمة عاجلة. وأكد البيان أنه لا مناص من التحلي بروح الوسطية والمواطنة، والتسامح والإخاء والشراكة المجتمعية في السلوكيات التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل الإعلامية. مشيرا إلى أنه لا تهاون مع من استمرأوا السلوكيات الخارجة عن الثوابت الوطنية والمثيرة للفتنة بين أفراد المجتمع الواحد، ونشر الأفكار المنحرفة التي تدعو للكراهية أو التمييز والتحريض.

 

هذا الرد العملي السريع، وبهذه الصورة الحاسمة يشير إلى أن السلطات المسؤولة لن تتسامح مع من يرتكبون تلك الحماقات التي من شأنها إحداث حالة من عدم الاستقرار بين أفراد المجتمع، فالمملكة التي قطعت شوطا بعيدا في طريق النهضة والتنمية ليست مستعدة – تحت أي ظرف – لتعريض تلك المكتسبات للخطر، وأنها قررت استنفار طاقات جميع أبنائها وتوجيهها لتحقيق التنمية المستدامة، بغض النظر عن أعراقهم أو مذاهبهم، لأنهم جميعا أبناء هذه البلاد، وأن مقياس التفاضل الوحيد بينهم هو المواطنة الصالحة ومقدار ما يبذلونه من جهد لأجل رفعة بلادهم وتطورها. مثال آخر على جهود النيابة العامة في تصحيح سلوكيات مجتمعية خاطئة هو إعلانها أن حوادث السير التي تحدث بسبب القيادة تحت تأثير المسكرات أو المخدرات، وتلك التي تنتج عن مخالفات مرورية خطرة، مثل التفحيط والسير في الاتجاه المعاكس أو تجاوز الإشارات الحمراء هي ليست مجرد مخالفات مرورية، بل تدخل ضمن فئة الجرائم الكبيرة، لا سيما إذا نتجت عنها حالات وفاة أو زوال عضو أو تعطيل منفعة أو إصابة تزيد مدة الشفاء منها على 15 يوماً. هذا البيان يؤكد أن العابثين بأرواح الناس، والذين يستهترون بالأنظمة والتعليمات سيواجهون عواقب أفعالهم، وسيكونون عرضة للعقوبة بالسجن مدة لا تزيد على أربع سنوات، وبغرامة مالية لا تزيد على 200 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، دون أن يؤثر ذلك على حقوق الغير.

 

كذلك لم تغفل النيابة عن حفظ حقوق الأطفال وتعرضهم للمخاطر بسبب حالات الإهمال والإيذاء، وأكدت أن الطفل «يتمتع بحقوق وضمانات مقررة لصالحه شرعاً ونظاماً، ويُحظر المساس بها تحت أي ذريعة كانت، وأن الحالات التي تعد إيذاء وإهمالاً للطفل، منها تركه دون ولاية أو سلطة رقابية أو شرعية، أو استغلاله في التسويق التجاري، أو تعريضه بشكل مباشر أو غير مباشر للمواد الإعلامية المخلة بالآداب، أو الإجرامية أو غير المناسبة لسنه، أو التي تعرض معتقده أو فكره أو سلوكه للخطر، أو استغلاله اقتصاديا»، بحيث يكون ولي أمر الطفل أو من يقوم برعايته مسؤولاً عما ينجم عن ذلك من أضرار. حتى من يسعون إلى تحويل الرياضة من نشاط يدخل في الأساس ضمن أنشطة الترفيه واللهو المباح، إلى ميدان للكراهية والتعصب لن يكونوا بمنأى عن العقاب والمتابعة، بحسب ما أعلنته النيابة من توقيف أشخاص نشروا محتوى يثير التعصب والكراهية في الوسط الرياضي، وحاولوا زعزعة الثقة في عدالة ونزاهة الهيئات الرياضية ومسؤوليها. وحذرت النيابة من ابتعاد بعض منسوبي الوسط الرياضي عن روح الوسطية والاعتدال في الميول، ووقوعهم في فخ التعصب المقيت الذي يقود إلى الإساءة للآخرين والبذاءة في الألفاظ.

هذا النشاط اللافت للنيابة العامة يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنها باتت أحد مرتكزات العدالة في بلادنا، وأنها جديرة بالثقة التي منحها لها ولاة الأمر، عندما ربطوها إداريا بالمقام السامي مباشرة، وهو ما أتاح لها الفرصة لتحقيق كل هذه الإنجازات في وقت قياسي، مع مراعاة الخصوصية التي يتمتع بها النظام القضائي السعودي الذي يرتكز على الشريعة الإسلامية. كذلك لا بد من الإشارة إلى الأسلوب الواضح الذي تتبعه النيابة، والذي يقوم على الشفافية والوضوح والإفصاح، ويولي عناية كبرى لمبادئ حقوق الإنسان، ويمنع اعتقال أو توقيف أي مواطن أو مقيم دون إجراءات قانونية صارمة ومعلومة، وبذلك استحقت بجدارة أن تكون وكيلة عن المجتمع، حارسة لقيمه وحافظة لحقوقه. ومواكبة لتلك الجهود فإن الحاجة باتت ملحة لوجود قانون متكامل تفصيلي لمكافحة التمييز وبث الكراهية متماشٍ مع النهج الإسلامي للمحافظة على النسيج الاجتماعي لأطياف المجتمع السعودي وتحقيق العدالة في تطبيق الأنظمة.

نقلاً عن: wtn.sa/a

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة