كيف طغى المَدُّ الدّاعشي.!؟* | صحيفة المناطق الإلكترونية
الأربعاء, 25 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 13 ديسمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

كيف طغى المَدُّ الدّاعشي.!؟*

كيف طغى المَدُّ الدّاعشي.!؟*
محمد المزيني

كان مشايخ الصحوة يجندون الشبان؛ لمستقبل ليس من أدواته العلوم التطبيقية أو الفلسفة، بقدر ما كانوا يجندون أرواحهم لما هو أعظم في نظرهم، ولتحقيق ذلك يعمدون إلى فك ارتباطاتهم أولاً بروح المجتمع المدني وعناصره، لذلك فإن أول ما تُجرد منه أرواحهم حب الوطن والولاء لقياداته والاستسلام لقيمه؛ ليبيت الانتماء الأول والأخير إلى الأمة الموعودة، وعلى أساسه تنهض تعاليم الجماعة الإسلاموية الصحوية وارتباطاتها بخلايا يؤازر بعضها بعضاً؛ لتمتد إلى خارج حدود الوطن.

هذا التكوين ليس وليد اليوم أو البارحة، بل هو ممتد منذ قرابة نصف القرن، تحرك هؤلاء الشبان بالتفافات منضبطة ومدروسة حول بعضهم البعض؛ ليكوِّنوا قوة خفية ومدمرة لا يستهان بها داخل المجتمع، ومع شديد الأسف أثبتت أدوات الضبط الاجتماعي – إن وجدت عملياً – فشلها في رصد حركية هذه الظاهرة وتتبع صعودها، كما فشل المشتغلون بالشأن العام والخاص، من مثقفين وعلماء متخصصين في تكوين رؤية تنبعث من واقع هذه الجماعات وتحركاتهم؛ لإدراك مضامينها الثورية ذات الاتجاهات العنيفة؛ لتجنيب المجتمع ويلاتها قبل أن تستشري بين مفاصل المجتمع الأعزل من أدنى توجيه عقلاني، وظل الأمن العام بكل أدواته يتحمل مغبة الوقوف بحزم أمام ظواهرها الإرهابية الشاذة بكل حزم، وملاحقة المرتبطين بها وتفكيك خلاياهم وكشف مخططاتهم، حتى باتوا مرمى وهدف هذه الجماعات.

حقيقة، لم تكن داعش وحدها المعنية بهذا الاستقطاب؛ فهي نتيجة لتراكمات طويلة، أسهم مجتمعنا بشكل مباشر وغير مباشر في تكوينها، تلك التي دشنت بالسكوت عنها ثم قبول مفاهيمها ثم مباركة انطلاقة فعالياتها تحت مسمى الصحوة الأولى، والاستسلام لقيمها ومعايير أخلاقها الخاصة، وترك الحبل لهم على الغارب، وهذه تعد من أكبر أخطاء الماضي، حتى تمددت وتفرعت في عمق البيوتات الآمنة المطمئنة، وأصخبت عليهم حياتهم، وأضحى الناس لا يرون الحياة إلا من خلال مواعظهم و«كاسيتاتهم». وأخيراً قنواتهم، فانقاد الشبان اليافعون العزل، الممتلئون حماسة بالانضمام إلى كوكبة هؤلاء الذين امتلكوا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم، واستبدوا بأرواحهم فباتوا لا يأتمرون إلا بأمر مشايخهم، الذين ألَّبوهم حتى على أهاليهم، فلم يعد الدين هو دين الأخلاق والتذمم والحرمات، بل أصبح دين التخفي حيناً والظهور أحياناً، والإجبار والإكراه والتجسس والملاحقة؛ بادعاء المحافظة على المجتمع من الفساد، ولعمري أنه في حقيقته ليس كذلك، بل التأمر والتآمر والقيادة والسيادة خارج إطارات المجتمع الحقيقي والقيادة الشرعية الحقيقية.

في تسعينات القرن الماضي تسلم بعض وُعَّاظهم راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من دون الرجوع إلى الجهات المعنية، يوجهون الشبان ببعض المأموريات؛ لتقويم واقع المجتمع باللين أو بالقوة، وقد اندفع الشبان وحداناً وجماعات للائتمار بأمرهم، فوقعت مواجهات تسببت عن كوارث منها إحراق متاجر على خلفية أنها تبيع المنكرات، كما صنفت حينها قوائم أدرجت فيها أسماء للمخالفين لهم ممن وصموهم بالعلمنة والكفر، ولولا ستر الله وافتضاح أمرها في الوقت المناسب لوقعت كارثة سيذهب ضحيتها أبرياء، وعندما نأتي إلى السؤال عن كيفية برمجة هؤلاء الشبان؟ فالأمر لا يبدو معقداً أو صعب الفهم، فالانتماء والاتباع كان ولا يزال كافياً تماماً لبرمجة عقولهم، وحقنها بحزمة المبادئ الجديدة، بما يفوه به الشيخ من دون ممانعة؛ لأنها تستزرع في عقول خاوية ذات تعليم قليل ممن تقطعت بهم السبل إلى التعليم الجاد، فالمسألة هنا إيمانية خالصة، ليس للعقل أو التفكير فيها مجال، صادفت أرواحاً متعطشة لهذا النوع من الشحن العاطفي الذي يمليه الشيخ بمواعظه العصامية على أسماعهم ليل نهار، ويتقرب إليهم وينزلهم منزلة الولد من الوالد، ليصبح أقرب من آبائهم، ولِما وجدوا فيه من تبسُّط وهو كما يرونه العالم الفذ الجليل، ومع ذلك لا يكفي هذا الارتباط، بل وبما اكتسبوه من تجارب في عملية الاستقطاب والتوجيه، فهؤلاء الشبيبة لا يُتركون من دون استحواذ كامل، فالانتقال بهم من حال التشظي والفوضى إلى عالم أكثر انضباطاً ومسؤولية، والنظر إليهم على أنهم كبار قادرون على تحمل أعباء ضخمة، يجعلهم أمام تحدٍ وجودي، هيأهم لتلقي كل ما يوكلون به من دون سؤال أو ممانعة ذلك، يقسمون إلى خلايا كانت تعرف بمجموعات ينصَّب عليهم شيخ مطاع قريب من أعمارهم، ولديه بضاعة مزجاة من العلم، مكرسة لخدمة أهداف محددة، وقد يدعم مادياً؛ كي يستطيع الصرف عليهم، وهو الضابط لسلوكهم وتحركاتهم، بذلك يتمكن منهم ويحصي عليهم حتى أنفاسهم، ومن يند عن المجموعة بتصرفات ليست من منهج الخلية يستبعد على الفور، وقد يستعاض عنه بآخر، أما كيف يكتمل بناؤهم النفسي والجسدي واستئصال الخوف منهم، فمن خلال المخيمات والمراكز الصيفية.

الشاب السعودي الداعشي الذي قبض عليه الجيش الحر، وانتشر مقطعه وهم يحققون معه كشف جوانب مهمة قد لا يفهم مغازيها عامة الناس، فالبرنامج اليومي الداعشي هو صورة طبق الأصل لما كان يحدث في المخيمات الصيفية من نظام دقيق في النوم الصحو، وحتى البرامج التي كانت تقدم.
الشاب الداعشي ذكر أنهم يستيقظون لصلاة الفجر وتلاوة القرآن، ثم التدريبات الرياضية ثم الإفطار تليها دروس علمية، بعدها توزيع المهام ومنها الألعاب الرياضية الشاقة، التي لا تخلو من المطارحة العنيفة، ولو كان التدريب حينها على السلاح لما ذخروا، يعوض عنها الحراسات الليلة التي تتناوب عليها الأسر، إذ تُنظِّم بعض الجماعات هجوماً ليلياً على الحراس؛ لاختبار قدراتهم على الحراسة والانضباط وقد يتأذَّى البعض منها، في نهاية المخيم يكون هؤلاء الشبان صُبُّوا في قالب واحد وانصهروا في روح واحدة وأهداف محددة لا يحيدون عنها قيد أنملة، إذ تشربوا قيماً مختلفة، متوجةً بالتضحية المرتبطة بالسمع والطاعة والانقياد للشيخ، كما تفرغت أرواحهم من الخوف واكتنزت أجسادهم بالقوة، لذلك كانوا الأقرب إلى أفغانستان، إذ كانوا يُجمعون في المساجد بأمر الشيخ؛ لتجهيز الغزاة، وتحديد مسارهم حتى يصلوا إلى بيشاور، ومنها إلى ساحات الوغى، ومتى وصل إليهم خبر استشهاد أحدهم هللوا وكبروا.

داعش ورِثوا كل هذه التركة التي انتهت عند القاعدة، واستخدمتها بمهارة فائقة من خلال الوسائل وتقنيات الاتصالات الحديثة، مع بقاء الفكر والتوجه ذاته، مع إضافة بعض البهارات الحارقة.

فالذهنية الجهادية المستلهمة من تراث الحركات الإسلامية القديمة ما زالت متلبثة في وعي القادة والمنظرين الدواعش، تفوَّقوا بقدرتهم الفذة على اختراق الأسوار والحواجز لتجنيد الشباب، فاقتحمتهم حتى في مخادعهم، وخالطتهم في أحلام النوم والصحو، فالطرق الإعلامية الذكية المستخدمة كافية لاستثارة مكنونات الشبان العاطفية، ثلاثة أفلام وثائقية داعشية تفعل ذلك بكفاءة عالية، ما دامت الأرض التي تجوسها خصبة طيعة؛ للاستزراع الإرهابي المحتمل بما ورثوه عن إرهابيي الأمس، فمثلاً، مشاهد استعراضية احتفالية لإعدام جنود سوريين على منصة مسرح تدمر الروماني بأيدي أطفال صغار أطلق عليهم (تمليحاً) أشبال الخلافة، ومشهد آخر لتدمير سجن تدمر السوري بعبوات ناسفة مع بيان تفصيلي لجرائم جنود الأسد التي ارتكبوها بحق السجناء، ومشاهد أخرى لمواقع التمدد الداعشي وانتصاراتهم الساحقة مع الهالة العظيمة التي رسمت بها شخصية أبي بكر البغدادي، ومشاهد أخرى للمجاهدين المنتصرين وهم يؤدون صلاتهم، مع بيانات أخرى تحث الشبان على الخروج على الحكام الموصومين بالكفر والطغيان، كل ذلك كاف تماماً؛ لتسخين قلوب الشبان للالتحاق بمواكب الشهداء، عندها لا ضير في أن تأتي الشهادة في ساحة المعركة أو بعبوة ناسفة يقتحم بها الأهداف المحددة التي تتسنم قائمة التصفيات الداعشية من شيعة وعسكر.

لن ينقذ هؤلاء الشبان إلا بإعادة ضبط بوصلتهم بما يخدم الوطن والإنسان، ويلقي عن كاهله عنت الحاجات التي يفتقدها، نفسية أم روحية أم مادية، شريطة أن يسهم الجميع في حمْلة مكثفة لتحقيق ذلك.

*نقلاً عن الزميلة “الحياة”: alhayat.com

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    المتأمـــــــل

    جميل هذا الكلام السردي ولكن هلا أحلتنا على دراسات علمية ونتاج بحثي يثبت ما تقوله من تحميل الصحوة ومشايخها وزر هذه الفئة الضالة

    علما أنها موجودة منذ عصور السلف الأولى بل وظهرت بوادرها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ( قصة ذي الخويصرة )فهل كانت الصحوة الأولى البذرة لهذه الجماعات