أبرز الموادمحليات

القصور الأثرية بعسير .. استثمار سياحي بعبق التاريخ

المناطق_واس

لم تعد القصور الأثرية في منطقة عسير مواقع شاهدة على زمن مضى وتاريخ عريق يقصدها لأجل المتعة البصرية أو الدراسة العلمية الباحثون والمهتمون فقط، بل تحول كثير منها إلى مواقع جذب سياحي لجميع فئات المجتمع في المنطقة خلال العام الجاري.

وأسهم ترميم وتأهيل عدة حصون أثرية يعود بعضها إلى أكثر من 200 سنة في تصدرها المشهد السياحي، بعد أن أضاف لها هذا الترميم أبعاداً جاذبة أخرى مثل المقاهى العصرية التي تقدم المشروبات الساخنة والباردة في إحدى غرف أو زوايا القصر الأثري في مزج جاذب مع الماضي بكل جمالياته المعمارية، إضافة إلى النزل التراثية التي تتوزع في جنبات القصور من خلال غرف للإقامة اليومية تم تأثيثها بالمكونات التقليدية المستخدمة قديماً.

وبرزت خلال صيف هذا العام 2022 عدة حصون أثرية أعيد ترميمها وتأهيلها بواسطة الأهالي لاستقبال الزوار والسياح من داخل منطقة عسير وخارجها مثل قصور آل أبونقطة المحتمي في مركز “طبب” شمال غرب مدينة أبها على مسافة ٢٥كم تقريباً، وقصور “آل أبو سراح” في قرية” العزيزة” التابعة لمركز السودة ، إضافة إلى قصر “لهج” الواقع في قرية “الدارة” بأبها.
ويشير رئيس مجلس إدارة مركز آل أبو نقطة المتحمي سعيد بن سعود المتحمي في حديثه لـ”واس” إلى أن فكرة إعادة ترميم وتأهيل القصور الأثرية جاءت بناء على التوجهات الجديدة لدعم السياحة الثقافية في المملكة لما تملكه من إرث تاريخي عريق تدل عليه بوضوح جماليات وهندسة القصور القديمة في منطقة عسير، فمثل هذه الأماكن ـ بحسب رأيه ـ تحتوي على مخزون ثقافي يستحق أن تعرفه الأجيال الجديدة لتعرف عمق هذه الثقافة والتاريخ الذي كون الوحدة الوطنية التي نفخر بها جميعا.

وتتكون القصور من ستة مواقع مختلفة الأحجام والارتفاعات على مساحة تقارب 4000 متر مربع ، ويوجد داخل هذه الحصون، وداخل أسوارها الداخلية عدد من المدافن متنوعة الأحجام والأعماق، ويتراوح عمقها ما بين مترين وثلاثة أمتار وعرضها بين ستة و خمسة عشر متراً مربعاً كانت تستخدم لدفن المحاصيل الزراعية للمحافظة عليها وتخزينها لسنين طويلة لاستخدامها في سنين الجدب، وفي سنين الحروب والخوف، واستخدمت بحكم أهمية المكان كذلك لإخفاء الذخائر أثناء المواجهات والحروب.

وأكد المتحمي أن الجهد الكبير المبذول في إعادة تأهيل هذه القصور وغيرها سيكون له مرود اقتصادي جيد مع مرور الوقت ، وقال” بدأنا نلمس الأثر الاقتصادي على المجتمع لمثل هذه المشروعات السياحية التي تعتمد على المخزون الثقافي، حيث يشاركنا في استثمار المكان عدد من الأسر المنتجة”.

وتحتوي قصور آل أبونقطة المتحمي على نزل تراثية تمزج بين متطلبات العصر وهوية المكان ومواقع لبيع المنتجات التراثية مثل الملابس التقليدية ومخبز بلدي يقدم مأكولات شعبية إضافة إلى مقهى شعبي وآخر أجنبي يقدمان المشروبات الساخنة والباردة.

وحرص القائمون على مشروع القصور على تسمية المواقع التي يرتادها الزائر بأسماء من عبق المكان مثل أسماء الخيول والسيوف والرماح التي اقتناها أجدادهم .

من جهتها تبرز قصور “آل أبوسراح” كإحدى أهم الوجهات السياحية التراثية في منطقة عسير ، حيث تقع إلى الغرب من مدينة أبها وتتوسط ” قرية “العزيزة” المحاذية لمرتفعات السودة ، ويتجاوز عمرها الـ” 200 عام” وتتميز بمبانيها الجميلة العالية ، وهي عبارة عن ثلاثة مبانٍ، قصر وازع، وقصر عزيز، وحصن المصلى، ويتكون كل من قصر عزيز وقصر وازع من ستة طوابق، وحصن المصلى من ثلاثة طوابق مبنية من الحجر وخشب العرعر ومغطاة بمادة القضاض من الخارج.

ويقول المشرف على الموقع عبدالعزيز أبوسراح في حديث لـ”واس” إن مثل هذه القصور وغيرها الكثير التي تزخر بها منطقة عسير تعتبر شواهد على حضارة المكان وأهميتها في أنها تحكي للأجيال الحالية بعضاً من ثقافة وفنون أهالي المنطقة قديماً .

وأشار إلى أن هناك شغفاً وإقبالاً كبيراً من جميع فئات المجتمع على زيارة الحصون التراثية لأنهم يجدون فيها رسائل ثقافية كثيرة جاذبة لهم.

وأظهرت جولة “واس” في عدد من المواقع الأثرية المعاد تأهيلها واستثمارها سياحياً من قبل الأهالي، أهمية هذا النوع من الاستثمار في دعم السياحة المحلية والاقتصاد الوطني بشكل عام، حيث لم يعد ارتياد هذه الأماكن مقتصراً على المهتمين والباحثين وعاشقي التراث بل أصبحت جاذبة لكل فئات المجتمع من الأطفال والشباب وكبار السن (من الجنسين)، فالأطفال والشباب يقفون مشدوهين أمام ما يرونه ويسمعونه عن تاريخ وتراث الأجداد، وعدد من كبار السن يشرحون لأبنائهم وأحفادهم طرق البناء التقليدي وأسماء المواد المستخدمة في الحياة اليومية بكل سعادة وانشراح وبعضهم ينهي شرحه بدموع تترقرق في عينيه عندما يتذكر ماضيه.

وتتطلب إعادة تأهيل وترميم الحصون والقصور التاريخية مهارات خاصة ومعرفة دقيقة بآليات وطرق البناء التقليدية، وفي هذا الإطار ينبه المتحمي إلى أهمية أن يكون الترميم مواكباً لقيمة المكان حتى لا يتحول إلى تشوه بصري، مضيفاً “إدخال المظاهر الحديثة قد يكون في مكونات المطاعم والمقاهي مثلاً، ولكن الترميم ومواد البناء يجب أن تكون تقليدية ومن عناصر البيئة المحيطة دون إدخال أي عنصر حديث، وذلك من خلال إشراف خبراء بناء من أهل المكان”.

وفي إحدى قرى مدينة أبها، يخوض الشاب عبدالعزيز مخافة تجربة جديدة في الاستثمار التراثي من خلال حصن “لهج” المكون أربعة أدوار، مشيراً إلى أن الموقع بدأ في استقبال الزوار منذ العام الماضي، حيث تتوافر للزائر أجواء الماضي بكل تفاصيله، بداية من المبيت في نزل تراثية والطعام المقدم الذي يقتصر على الأكلات الشعبية، حيث يشهد المكان إقبالاً جيداً فاق توقعاته.

ويؤكد “مخافة” أن أكثر ما شجعه على هذه الخطوة هي مبادرات رؤية المملكة 2030 التي تركز على استثمار المقومات التراثية والثقافية في الجذب السياحي” بشرط أن يكون الترميم والتأهيل على أسس علمية صحيحة.

وتحتوي المملكة العربية السعودية على مواقع كثيرة جداً ذات بعد تاريخي جاذب وجديد بالنسبة لعشاق السياحة الثقافية وزيارة المواقع الأثرية ، حيث تشير آخر إحصائية لهيئة التراث إلى أن منطقة عسير تضم 4275 قرية تراثية، يتجاوز عمر بعضها 500 عام، إضافة إلى تسجيل 651 موقعاً أثرياً في السجل الوطني لآثار احتوت على أحجار ونقوش ورسومات يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام.

Advertisements

زر الذهاب إلى الأعلى
Advertisements