احدث الأخبار

وزير الخارجية يتلقى اتصالاً هاتفياً من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني
أبرز المواد
“عناق الحيتان”.. فيديو مذهل يُرصد لأول مرة
أبرز المواد
مستشفى قوى الأمن توفر وظائف مؤقتة لموسم الحج
أبرز المواد
جمعية رعاية الايتام بتبوك تصرف ٦٤٥ ألف ريال خلال شهر رمضان المبارك
منطقة تبوك
مواجهة كورونا بـ”فضلات الأبقار”.. ما رأي العلم؟
أبرز المواد
منها إلغاء إيقاف الخدمات والحبس.. “قانوني” يوضح أبرز أحكام نظام التنفيذ الجديد
أبرز المواد
المدرب ماركو سيلفا يقترب من الهلال
أبرز المواد
الولايات المتحدة تشترط إجراء فحص كورونا للمسافرين القادمين إليها
أبرز المواد
نجاح التغطية الإسعافية للمسجد النبوي في ليلة ختم القرآن الكريم
أبرز المواد
الأرصاد : سحب رعدية ممطرة على معظم مناطق المملكة
أبرز المواد
مرور منطقة الجوف يضبط قائد مركبة مارس التفحيط
أبرز المواد
الصحة تُنفذ حملة توعوية للحث على الالتزام بالإجراءات الاحترازية
أبرز المواد

دار عمتي… خزينة الأفراح!

دار عمتي… خزينة الأفراح!
https://almnatiq.net/?p=972916
د.أحمد بن سعد آل مفرح

دار عمتي لا تتجاوز مساحتها ثلاثين متراً، وتقع في منزل الأعمام القديم على قمة جبل “مشرف” في وسط أبها، الذي يطل من الغرب على مزارعنا على وادي أبها، دارٌ تقع في الجهة الشمالية من المنزل بنوافذ مطلة على الفناء الخارجي، تفتح فقط عند وصول عمتي أو لتجهيزها لها قبل قدومها من الشام (الطائف)!.. كانت الدار سرّاً من أسرار ذلك الزمان، وخزنة مليئة بالحب والصفاء والعطاء، وكان أمينها العم عبدالله رحمه الله، الذي كان حازماً في المحافظة عليها وتعهدها بنفسه.

في كل إجازة صيفية، تصل عمتي إلى أبها، وتصل معها عجائب جديدة من أسواق الشام، تفرحنا بها سنوياً على شكل هدايا متنوعة ومختلفة لجميع من حولها كباراً وصغاراً، وكانت تتلمس ذوق كل واحد، وياله من جهد يبذل لمراعاة أذواق أسرتها المختلفة، ناهيك عن الوقت والمبلغ والحمل والتوزيع ثم الرضا .!

تفتح دار عمتي في الصيف إيذاناً بانطلاق برنامج صيفي مختلف، فهناك مناسبات عدة في كل منزل تجمع جميع أفراد أسرتي في جلسات مسائية صيفية ماتعة، وألعاب طفولية بسيطة تجمعنا عصر كل يوم، فيزداد فرحنا وتغمر قلوبنا السعادة وتلحّف نفوسنا الألفة والمحبة.

وفي حضرة عمتي في دارها تتراقص قلوبنا الطرية فرحاً ونحن نتفحص وجهها الصبوح، ومحياها الباسم، ذلك الوجه المحب، والمختلف عن وجوه من حولنا، الوجه القادم من بعيد، وبعد طول غياب وشوق وترقب وتتطلع، وجهٌ يحمل في تقاسيمه الحنان والشفقة!، تحتضن عمتي أحدنا بجيدٍ يزينه “رص الحجر” اللامع، ويداعب أنوفنا عبق عطرها الوردي النافذ، ودهنُ العود المعتق الذي ينتشر في محيط المنزل فيبقى أثره لأشهر، تنفثه نسائم الصباح من بين ثقوب دارها حتى بعد مغادرتها، فتنساب إلينا معه ذكريات الأيام الجميلة الماضية، ويبقى أثره وأثر سفرها، ويُبقي يوم وداعها في نفوسنا أثراً عميقاً لا يخفف من وطأة ألمه إلا أملنا في الله بأن نلتقي بها في صيف قادم، وهذا ما حدث لسنوات حتى بعد أن انتقلت إلى منزلها الصيفي الخاص في أبها.

وهي ذات مشاعرنا عند زيارتنا لها، فلن أنسى أول رحلة  (الأولى خارج أبها) إلى الطائف برفقة والدي رحمه الله، وأخي علي ونحن في المرحلة الابتدائية، وشاهدنا الطائف أول مرة عند دخولنا ليلاً بعد رحلة أيام طويلة وشاقة عبر بيشة ورنية، من خلال طرق برية غير معبدة في غمارة سيارة “اللوري” المرسيدس، التي تعتبر وقتئذ بمثابة الدرجة الأولى(!) حيث الطعام والشراب والمقعد مدفوعة وخاصة بنا فقط، شاهدنا الطائف بحركته المرورية وتجارته النشطة، وسيارات الأجرة التي تحمل ضوءً أصفر على سقفها ومكتوب عليه بخط أسود “أجرة”..!

دخلنا منزل عمتي الذي يحيط به الفناء المسقوف بعريش العنب، ومحاط بشجر الرمان، فتتدلى منه عناقيد العنب الطائفي الناضج في منظر بديع وجو طائفي مأنوس، فكم كانت فرحتها بنا هي وأولادها الأربعة (نورة ومنى وبندر ومشاري أبناء حمد الماضي)، وتولت رعايتنا وإكرامنا وقدمت لنا كل ما لذ وطاب من الطعام الذي لم نكن نعرف بعضه من قبل، وقد كان منزلها محطة استقبال على طوال العام للزوار من أسرتها وهم في طريقهم إلى الحج أو العمرة.

ولكن !..
بعد عطاء متدفق وأثرٍ طيب محمود، غادرت عمتي اليوم دنيانا الفانية، وسيظل أثرها وحسها بيننا، إلا أني لن أسمع صوتها الحاني في كل مناسبة من خلال الهاتف الخاص بها، والذي كان همزة وصل خفف عن قلبي كثيراً من الشوق لها، و ساعدني على صلتها والتواصل معها بشكل دائم، أذكرها كل يوم ، وأمد يدي إلى هاتفي عند كل سانحة فيطربني صوتها الذي تحمل نبراته صوت والدي وأعمامي رحمهم الله، وتمازحني وتسألني عن كل أحد، وتنصح وتوجه وتدعوا وتَسعدُ باتصالي، وتعتب على تقصير البعض.

لقد كانت عمتي أم ثانية، ووالدة حانية، وشخصية شامخة مختلفة عمن حولها، طائعة لربها وله عابدة، مهذبة العبارات، ومرهفة الإحساس، وهادئة الطباع، ومحبة للخير، وتعشق الستر، فلم أرها قطُّ حاسرة الرأس، وتحب البذل والعطاء، دامعة العين، ومحبة لأسرتها ولإخوتها ولأولادهم وأحفادهم، وهي وحيدة إخوتها ويرون فيها الأم والأخت والإبنة.

لقد رحلت عمتي “حليمة بنت أحمد آل مفرح” ورحل معها كثيراً مما كانت تخبئه لنا في خزينة الأفراح، رحلت وتألمت كثيراً لفقدها ولرحيلها وأنا خارج المملكة، فلم أكن قريباً لزيارتها أثناء مرضها الأخير أو الصلاة عليها، رحلت وبقي لنا أثرها ولمساتها وذكرها الحسن.

فاللهم أدخل السعادة والسرور والفرح عليها كما أسعدت وأفرحت نفوساً كثيرة، اللهم بشرها بما يسرها وأشملها ضمن من شملتهم بقولك: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ”.

والله إنك فقد أيتها العظيمة حليمة، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أم بندر لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا “إنا لله وإنا إليه راجعون”.


التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة